إدارة الجمارك المغربية: من المراسي التاريخية إلى رافعة للسيادة الاقتصادية والتحول الرقمي
شؤون الإستثمار
بمناسبة اليوم العالمي للجمارك – 26 يناير
يخلّد العالم، في السادس والعشرين من يناير من كل سنة، اليوم العالمي للجمارك، وهي مناسبة تتجاوز بعدها الاحتفالي لتشكل محطة سنوية للتأمل في الأدوار الاستراتيجية التي تضطلع بها إدارات الجمارك في حماية الاقتصادات الوطنية، تأمين الموارد المالية، وضمان سلامة وانسيابية المبادلات التجارية، في سياق دولي يتسم بتسارع العولمة وتعقّد التحديات الاقتصادية والأمنية.
وفي المغرب، تكتسي هذه المناسبة بعداً خاصاً، بالنظر إلى العمق التاريخي لإدارة الجمارك، وإلى المسار الذي راكمته كمؤسسة سيادية رافقت تطور الدولة المغربية عبر قرون، وتكيّفت مع مختلف التحولات السياسية والاقتصادية، إلى أن أصبحت اليوم إدارة حديثة، منفتحة، وشريكاً أساسياً في التنمية.
الجذور التاريخية: المراسي كأداة للسيادة الاقتصادية
منذ عصور ضاربة في عمق التاريخ، وبحكم الموقع الجغرافي المتميز للمملكة المغربية كبلد مطل على واجهتين بحريتين، شكّلت التجارة البحرية أحد الركائز الأساسية لاقتصاد الدولة. وخلال فترات الدولة المرابطية والسعدية ثم الدولة العلوية، كانت إدارة الجمارك تُعرف بـ «المراسي»، حيث اضطلع الأمناء بدور استراتيجي في مراقبة المبادلات التجارية وتحصيل الرسوم.
وقد كانت المداخيل الملاحية آنذاك المورد الرئيسي لمالية الدولة، مما جعل المراسي أداة مركزية في ترسيخ السيادة الاقتصادية وضمان استمرارية مؤسسات الحكم، وهو ما يعكس قدم الوظيفة الجمركية وأهميتها في البناء التاريخي للدولة المغربية.
مرحلة الحماية: التحديث المؤسسي وبناء الإدارة
مع دخول المغرب مرحلة الحماية، عرفت إدارة الجمارك تحولات تنظيمية وهيكلية مهمة، خاصة في عهد الجنرال ليوطي، حيث تم إدخال أساليب حديثة للتسيير، وتقنين المساطر، وتوحيد القواعد الجمركية. ورغم ارتباط هذه المرحلة بسياقها التاريخي، فإنها شكّلت منعطفاً في بناء إدارة جمركية أكثر تنظيماً وهيكلة.
ما بعد الاستقلال:
الجمارك كفاعل سيادي واقتصادي
بعد استقلال المغرب، انخرطت إدارة الجمارك في مسار وطني لإعادة البناء والتحديث، حيث توسعت مهامها لتشمل، إلى جانب تحصيل الموارد المالية، حماية الاقتصاد الوطني، مكافحة التهريب، التصدي للغش التجاري، وحماية المستهلك والبيئة.
وفي هذا الإطار، تُعد مرحلة قيادة المدير العام للمديرية العامة للجمارك والضرائب غير المباشرة محطة مميّزة في مسار الإدارة، حيث يجسّد مساره المهني نموذجاً لإطار وطني سامٍ تدرّج داخل المؤسسة، وتحمّل مختلف المسؤوليات الإدارية والميدانية، إلى أن قاد سفينة الجمارك برؤية متبصّرة وخبرة مهنية عميقة.
وقد مكّنه هذا المسار، القائم على الكفاءة، الذكاء المهني، والاستيعاب الدقيق لتحديات العمل الجمركي، من الإسهام في تحديث الإدارة وتعزيز حكامتها، وجعلها فاعلاً وازناً في تنزيل الرؤية الاقتصادية والاجتماعية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ولا سيما في ما يتصل بتقوية السيادة الاقتصادية، دعم الاستثمار، وتحقيق التنمية المستدامة.
26 يناير: مناسبة للتقييم وطرح الإكراهات
يشكل اليوم العالمي للجمارك مناسبة ليس فقط لتثمين المنجزات، بل أيضاً لفتح نقاش موضوعي ومسؤول حول الإكراهات، وعلى رأسها تعدد أجهزة المراقبة التابعة لقطاعات مختلفة، ولا سيما التجارة والصناعة ووزارة الفلاحة عبر ONSSA، مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى تداخل الاختصاصات وتأخير خروج السلع من الموانئ.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توحيد الرؤية بين مختلف المتدخلين، واعتماد مقاربة مندمجة تضمن الفعالية والنجاعة، إلى جانب التفكير في إحداث مختبرات مستقلة عن القطاعات الوصية، تعمل وفق معايير موحدة، بما يضمن مزيداً من الشفافية والحياد.
كما يظل من الضروري أن تكون المذكرات والمناشير الإدارية الصادرة في المجال الجمركي منبثقة من روح مدونة الجمارك ومتناغمة مع مقتضياتها، بما يضمن وضوح التطبيق وسلامة التأويل، تفادياً لتباين القراءات عند عرض النزاعات أمام المحاكم. فالحماية لا تعني غياب المنافسة، بل تستوجب قواعد واضحة وعادلة.
الرقمنة: تحول عميق في العمل الجمركي
لا يمكن الحديث عن تطور إدارة الجمارك المغربية دون التوقف عند مسار الرقمنة، حيث كانت من بين الإدارات الرائدة وطنياً في اعتماد التصريحات الجمركية الرقمية، والانتقال من المعالجة الورقية إلى أنظمة معلوماتية متطورة.
وقد ساهم هذا التحول في تسريع المساطر، تقليص آجال التخليص، تعزيز الشفافية، وتحسين تدبير المخاطر، مما أرسى أسس التسيير الذكي المتماشي مع المعايير الدولية التي تعتمدها منظمة الجمارك العالمية.
البعد الإفريقي والعربي: التعاون جنوب–جنوب
لا يقتصر دور إدارة الجمارك المغربية على المستوى الوطني، بل يمتد إلى الفضاءين الإفريقي والعربي، حيث راكمت المملكة تجربة معترفاً بها في مجال التدبير الجمركي، وأسهمت في تكوين وتأطير أطر من عدة دول شقيقة وصديقة.
ويجسّد معهد التكوين الجمركي ببن سليمان، الممتد على مساحة تناهز 10 هكتارات، هذا التوجه، باعتباره مؤسسة فريدة من نوعها في المنطقة العربية والإفريقية، ومنصة حقيقية لتعزيز التعاون جنوب–جنوب ونقل الخبرات.
الحضور الدولي ومنظمة الجمارك العالمية
على المستوى الدولي، تحضر إدارة الجمارك المغربية بقوة داخل منظمة الجمارك العالمية، لا سيما على المستويين التقني والميداني، حيث راكمت الأطر المغربية تجارب مهمة من خلال المشاركة في اللجان وفرق العمل، وتبادل الخبرات، وهو ما يُعد نتاجاً ناجحاً للتعاون الدولي.
منظمة التجارة العالمية وحماية الاقتصاد
وفي ما يخص منظمة التجارة العالمية، يُعد المغرب من بين الدول المؤسسة لها عبر اتفاقية مراكش لسنة 1994. وقد ساهمت إدارة الجمارك بدور أساسي في تنفيذ الاتفاقيات التجارية، تبادل المعلومات، وحماية الحدود، بتنسيق وثيق مع وزارة الشؤون الخارجية.
كما يبرز دور الجمارك في محاربة الجرائم المالية العابرة للحدود، والتصدي لشبكات الاتجار الدولي في المخدرات، ولا سيما بالموانئ التجارية الكبرى، فضلاً عن حماية الاقتصاد الوطني من خلال زجر مختلف أشكال السلع المقلدة الوافدة من الخارج.
تحية وتقدير
وبهذه المناسبة، نتقدم بأحر التهاني إلى الأسرة الجمركية بمناسبة عيدها الدولي، مع التنويه بالمجهودات الكبيرة التي تبذلها نساء ورجال الجمارك في أداء مهامهم بكل مهنية ومسؤولية.
كما نشدّ بحرارة على الأيادي البيضاء للسيد المدير العام، الذي أسهمت رؤيته في ترسيخ إدارة مهنية بامتياز، وجعل من الجمارك مدرسة حقيقية لتكوين الأطر المغربية في مجالات متعددة، بخبرات تجاوزت حدود الوطن. ويُعد الاهتمام بالرأسمال البشري، من خلال التحفيز، التكوين الرصين، وتحسين ظروف العمل، من أبرز ثمار هذا العهد الجديد برؤية رجل دولة.
خاتمة
وخلاصة القول، إن إدارة الجمارك المغربية لم تعد مجرد جهاز للرقابة أو تحصيل الموارد، بل أضحت شريكاً أساسياً للفاعلين الاقتصاديين، بحكم مواكبتها اليومية لمختلف أنشطة التجارة والاستثمار، وحضورها المستمر في جميع محطات التنمية التي تشهدها بلادنا، بما يعكس تحولها إلى مؤسسة سيادية حديثة، منخرطة في خدمة الاقتصاد الوطني وداعمة لمسار التنمية المستدامة.
سيدي محمد العايدي الإدريسي
خبير في السياسات الاستراتيجية
الرباط