الدكتور حسن عبيابة الأستاذ الجامعي و وزير الاتصال السابق

يبدو أن الأزمة بين المغرب وإسبانيا ستأخذ أبعادا متعددة على مستوى إختبار التوازن الجيوسياسي في المنطقة، وبالرجوع إلى تاريخ العلاقات بين الدولتين وما يتخللها من خلافات تتحول أحيانا إلى صراعات، نجد أن إسبانيا لاترغب في أن يكون المغرب بلدا صاعدا أو بلدا قويا، لأنها تعلم جيدا أن قوة المغرب هو إضعاف كبير لدور إسبانيا في المنطقة، وقد ظلت إسبانيا على طول فترة إسترجاع المغرب لإقاليمه الجنوبية تعاكس المغرب وتتردد في مواقفها، وتعمل في السر والعلن لمعاكسة مصالح المغرب الحيوية، بل أنها الدولة الأولى التي إحتضنت البوليساريو في بلدها بإسم الحرية وإحترام المجتمع المدني،كما أنها الدولة الوحيدة الأوروبية التي تمنح الجنسية الإسبانية لعناصر جبهة البوليساريو، بمعيةالجزائر  ليتجولوا في العالم وينشروا أفكارا ومغالطات ضد المغرب، وللإشارة فإن عملية تزوير أسماء قيادة جبهة البوليساريو ليست جديدة، بل هي عملية ممنهجة تساهم فيها المخابرات الإسبانية، والمخابرات الجزائرية، ومن خلال عملية تزوير إسم زعيم البوليساريو الوهمي يتضح أن هناك تنسيق سري بين المخابرات الجزائرية لمنح جوزات سفر إسبانية لصالح عناصر جبهة البوليساريو، أو لقبول جوازات جزائرية بهويات مزورة، وهذا في حد ذاته يمس بالتعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا، بل يضرب مصداقية الثقة بين البلدين، وربما قد يذهب بنا الشك إلى قيام إسبانيا بخدمة أجندة سرية لصالح جهات معادية للمغرب، قد تجعل المغرب يعيد النظر في العلاقات الثنائية بين البلدين، وبناء على ماجرى من أحداث ومواقف في الأسابيع الماضية يتضح أن هناك إرتباك في الحكومة الإسبانية، وتناقض في المواقف بين الأحزاب المشكلة للحكومة الحالية، وبين أحزاب المعارضة، بل أن بعض الأحزاب اليسارية جعلت من الخلاف المغربي الإسباني مادة إعلامية وإنتخابية، ونظرا لضعف الحكومة الإسبانية الحالية في التعامل مع المغرب، وعدم أخذ موقف واضح من إستقبال زعيم البوليساريو، فقد إتجهت إسبانيا للإتحاد الأوروبي لتستنجد به في الدفاع عن ماوقع من صول أكثر من 8 آلاف مهاجر من المغرب إلى إسبانيا من مختلف الجنسيات، وعلاقة بالموضوع فقد أعلنت وزيرة الخارجية الإسبانية أرانتشا غونزاليس لايا، بأن مراقبة الحدود كانت ويجب أن تظل مسؤولية مشتركة بين إسبانيا والمغرب، متناسية أن المصالح المشتركة والحيوية كذلك مسؤولية مشتركة بين البلدين، وللتذكير فإن الجغرافية السياسية جعلت من الهجرة عبر الحدود الجغرافية المشكل الأول في الخلافات بين الدول في العالم ، فمثلا الحدود الأمريكية المكسيكية، ظلت خلاف قأئم طوال عقود  بل أصبحت جزء من الخطابات السياسية للبلدين في كل أزمة بين الطرفين، أو أثناء فترة الإنتخابات، لدرجة أن الرئيس الأمريكي السابق رولاند ترامب إقترح بناء جدار أمني لتوقف الهجرة من المكسيك ومن دول أمريكا اللاتينية،ولحد الآن لم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من التحكم في الهجرة إليها، ولم تستطيع دول أمريكا توقيف الهجرة منها، ورأينا كذلك أثناء أزمة فينزويلا، كيف إصطفت طوابير المهاجرين متجهة إلى الولايات المتحدة، ولقد أجريت دراسة حول الهجرة في سنة 2018م، حيث كان من بين حوالي 195دولة التي تشكل خريطة العالم السياسية وجد أن  حوالي  80%، من دول العالم تعتبر مصدرة للهجرة إلى خارج حدودها لسبب بسيط هو أن عدد الدول المتقدمة في العالم لاتتعدى 20%، وعليه فإن الهجرة ظاهرة عالمية وغير مرتبطة بوضع معين بقدر ماهي مرتبطة بوضع دولي أنتجته الدول الغنية وفرضته على العالم، وهناك تقارير دولية وإقليمية تؤكد هذا الأمر، وإسبانيا نفسها يعيش سكانها هجرة نحو باقي الدول الأوروبية، ونحوأمريكا الشمالية، وبالتالي فإن ماوقع في سبتة أمر عادي لايجب إقحامه في خلاف عميق، وخطأ إترتكبته إسبانيا في حق جار له أهمية إستراتجية في المنطقة، كما أن توظيف الإعلام الإسباني موضوع الهجرة إلى إسبانيا بقصد الإساءة للمغرب، تحول من إعلام إخباري إلى إعلام إرهابي يمس بثوابث المملكة، ويحمل نبرة التهديد، مع العلم أن إسبانيا تراجعت بشكل كبير في دورها الأوروبي والإقليمي، ورأينا ذلك في أزمة كتالونيا، وأصبحت مهددة بالإنفصال،إن ماقامت به إسبانيا بشكل متعمد بإستقبل متهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم اغتصاب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بهوية مزورة لايعتبر فقط مناورة ضد المغرب بل يرتقي إلى المؤامرة،مما يطرح العديد من التساؤلات حول العلاقات في المستقبل،وقد ذكرت بعض المنابر الإعلامية الإسبانية أن إسبانيا  إرتكبت أخطاء لا تغتفر في حق المغرب الحليف الإستراتجي،
عندما سمحت رئاسة الحكومة لنائب الرئيس السابق للحكومة بابلو إغليسياس بالتحدث والمس بالوحدة الترابية للمغرب ، وتجاهلت إعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء، في إرتباك واضح للدبلوماسية الإسبانية،كما أن عدم إبلاغ المغرب باستقبال زعيم البوليساريو كان خطأ جسيما وفقا للتعاون الأمني والسياسي،
وأتساءل لو أن المغرب إستقبال السيد كارليس بودجيمون، زعيم انفصاليي كاتالونيا السابق،بحكم أنه يدعم موقف المغرب في قضية سبتة ومليلة، بهوية مزورة لأي ظرف من الظروف ماذا كانت إسبانيا فاعلة، إن إسبانيا تعيش أزمة سياسية منذ فترة جعلتها ضعيفة في إتخاذ قرار واضح مع المغرب في المستقبل،
ومن خلال تحليل الأوضاع والأحداث للعلاقات بين إسبانيا والمغرب تاريخيا وحاليا نستنتج الملاحظات التالية:
. أن الإتحاد الأوروبي في خرائطه الحدودية لايعتبر إفريقيا حدود جغرافية للإتحاد الأوروبي، وأن الخرائط المعتمدة دوليا لاتشير إلى ذلك، كما أن موقع ويكيبيديا الدولي الخاص بتصنيف الدول ونشر خرائطه بما فيها الإتحاد الأوروبي لايدخل مدينتي سبتة ومليلة ضمن الإتحاد الأوروبي في حين أن المغرب يشير في خرائطه على أنهما ضمن ترابه الوطني، وهذا الموقع معتمد دوليا كمرجع في جغرافية الدول، منذ إنضمام إسبانيا سنة 1986م، إلى دول الإتحاد الأوروبي
. أن النزاع حول سبتة ومليلة لم يحسم تاريخيا، وبقى معلقا، والمغرب منذ عقود وهو يطالب بإستراج المدينتين،كما أن إسبانيا كدولة إستعمارية خرجت من القارة الإفريقية، ولم يبقى لها إلا الخروج من سبتة ومليلية،
. أن التحديد الجغرافي للإتحاد الأوروبي كما موجود في المواقع الدولية كما يلي… (يمتد الاتحاد الاوروبي من البحر الأبيض المتوسط جنوبًا إلى الدائرة القطبية الشمالية شمالًا، ومن البحر الأسود شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا)، ويمتد على مساحة 3975000 كم²، وليس فيه ذكر للقارة الإفريقية، أنظر الخريطة السياسية في الموقع،
.أن اتفاقية الصيد البحري، التي وقعت 2019م تسمح لنحو 128 باخرة صيد أوروبية بممارسة نشاطها في المياه الإقليمية المغربية، وتشمل جميع الساحل الأطلسي للمغرب بما فيها الأقاليم الجنوبية،الذي يمتد من خط العرض 35 إلى خط العرض 22، أي من كاب سبارطيل قرب طنجة في شمال المغرب حتى الرأس الأبيض بجنوب البلاد على الحدود الموريتانية، ويستفيد إقتصاد إقليم الأندلس الإسباني الذي يقدر عدده سكانه بأكثر من 8 مليون نسمة من اتفافية الصيد البحري، وكذلك وجزء كبير من سكان جنوب إسبانيا،أي أن أكثر من 10 ملايين نسمة، يعيشون من المياه البحرية الإقليمية، في حين أن الجالية المغربية في إسبانيا لاتتعدى 800 ألف نسمة، ومع ذلك تظهر إسبانيا مواقف عدائية من حين لأخر، ورغم التعويض المالي الذي يقدر   بنحو 52.2 مليون يورو في  الإتفاقية الأخيرة، إلى أن هذا التعويض يبقى ضعيفا ولا يرقى إلى ماتربحه إسبانيا ومعها نحو  11 دولة من الإتحاد الأوروبي تستفيد من إتفاقية الصيد المبرمة بين المغرب والإتحاد الأوروبي، لكن إسبانيا تبقى هي المستفيد الأول من اتفاقية الصيد باعتبار العدد الكبير من مراكبها المستفيدة المعنية بالاتفاق، حيث يوجد نحو 100مركب إسباني من بين 126مركب تمنح لها الترخيص في المياه المغربية،
. إن وجود مغاربة في إسبانيا لايتعدى حاليا نحو 800 ألف شخص، في حين أن تواجد المغاربة في فرنسا يصل إلى أضعاف ماهو موجود في إسبانيا مع أنها ليست دولة من دول الجوار، بل أن بلجيكا يوجد بها ضعف ماهو موجود في إسبانيا وأكثر، ولم تكن دولة مستمرة للمغرب، كما أن عدد الوافدين من أمريكا اللاتينية إلى إسبانيا مضاعف هو الأخر مقارنة مع الوافدين من المغرب، مما يعني أن إسبانيا ليست هدفها للهجرة من المغرب، وهذا يدل على أن إسبانيا تأخذ الكثير من المغرب وتعطي القليل، مع وجود خلفية دائمة للمناورات ضد المغرب،

. أن إسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب منذ 2012، حيث تنشط أكثر من 800 شركة إسبانية في المغرب، وهي بهذا تستفيد من المغرب أكثر مما تستفيد منه من بعض دول شمال إفريقيا ودول الساحل الإفريقي،
. إن الجغرافية تتحكم في التاريخ السياسي للدول، وخصوصا دول الجوار، ولذلك فإن العلاقات بين المغرب وإسبانيا ستبقى حتمية في بعدها الجيوسياسي والأمني ويجب تصحيحها وفق المصالح المشتركة وإحترام سيادة كل بلد.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *