الإشارات الخفية ذات الصلة بأزمة أصحاب الجبة السوداء في خطاب العرش
شؤون الإستثمار
بقلم: الأستاذ الناصري
إن الوقوف عند أبعاد الخطاب الملكي ومحاولة استقراء إشاراته الضمنية يفرض الامتداد السلس بين أفكاره ومضامينه دون تجزئة تخل بوحدته التحليلية فالخطاب عندما يتعاطى مع أوراش الإصلاح المؤسسي الكبرى وقوانين الإطار يترفع عن الخوض التفصيلي في النزاعات الفئوية أو المباشرة ليتجه رأسا نحو اعتماد توجيه تأطيري صارم يرسم الحدود الفاصلة بين منهجية التدبير ومسؤولية الفاعلين .
ومن هذا المنطلق تتجلى أولى الإشارات الخفية ذات الصلة بأزمة منظومة العدالة في تأكيد الخطاب الحاسم على أن قوة المغرب تكمن في كونه دولة أمة تقوم فيها المؤسسات بأدوارها في إطار من الانسجام والتكامل وهي صياغة تحمل توجيها مضمرا للفاعل الحكومي والوزارة الوصية مفاده أن إعداد التشريعات المنظمة لمهن اعتبارية ومصيرية لا يمكن أن يدار بأسلوب فرض الأمر الواقع أو المنطق الأحادي بل يتطلب مقاربة تشاركية مؤسساتية تحفظ للنسق التوازني هيبته ونجاعته ويتصل هذا المنحى بصورة مباشرة بالإصرار الملكي على ضرورة تحصين المكاسب المحققة ومواصلة الإصلاحات وهي الرسالة التي تنطوي على تحذير صريح من القفز على رصيد المحاكمة العادلة وضمانات حقوق الدفاع ذلك أن أي تعديل مسطري يقلص من حق المواطن في الولوج المستنير إلى العدالة أو يتراجع عن الدور الحقوقي والتاريخي للدفاع يعد مساسا صريحا بتراكمات دولة الحق والقانون والالتزامات الدستورية والدولية للمملكة مفندا بذلك أي إفراغ إجرائي لضمانات المحاكمة العادلة تحت دعوى السرعة أو النجاعة.
وفي سياق متصل يأتي التشديد على مفهوم التنزيل الفعال ليتجاوز البلاغة اللفظية نحو تنبيه السلطة التشريعية من خطر الهشاشة القانونية إذ إن إنتاج نصوص تشريعية تشوبها شبهات عدم الدستورية وتتعرض للبطلان عند عرضها على القضاء الدستوري لا يربك فقط مرفق العدالة بل يمتد أثره المعاقب إلى المساس بالأمن القضائي وتنفير بيئة الاستثمار التي جعل منها الخطاب شرطا وجوديا للنمو والاستقرار .
غير أن هذا التأطير للسياسات العمومية يوازيه بالقدر نفسه خطاب التهدئة والمسؤولية الموجه لأصحاب الجبة السوداء وكافة الفاعلين في المنظومة بالتذكير بأن الاستقرار المؤسسي واستمرارية المرفق العام يشكلان الثابت الأساسي في التجربة المغربية مما يحتم أن يظل الدفاع عن المهنة والحقوق مؤطرة بروح المواطنة والمصلحة العليا للدولة الأمة بعيدا عن تعطيل حقوق المتقاضين أو شلل المرافق القضائية وبذلك يضع الخطاب الجميع أمام معادلة دقيقة لا تشريع ناجح بلا توافق وتحصين للمكاسب ولا حقوق مستدامة بلا استقرار وحماية لانتظام سير المؤسسات.