بقلم عبد الهادي مزراري/ شؤون الاستثمار
تتسارع أحداث غير مفهومة في الجارة الجزائر ، ولا يتوقف الرأي العام الجزائري عن طرح الأسئلة لمعرفة ما يجري للرئيس عبد المجيد تبون، وما تخطط له المؤسسة العسكرية في القادم من الأيام. وما ينتظر الشعب من مفاجآت لا تبعث بأي حال من الأحوال على الإطمئنان.


تبدأ التطورات المبهمة من إعلان نقل الرئيس تبون إلى ألمانيا قصد العلاج من داء كورونا، ويستفحل الوضع بسبب طول مدة الغياب وانقطاع الأخبار عن الرئيس إلى حين ظهور شريط فيديو منسوب إليه على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، “يقول إنه بخير ويتعافى”. لكن الشريط تعرض للتشكيك في صحته لأسباب مرتبطة بملاحظات تقنية وفنية.
الغموض حول حالة الرئيس تبون هو غموض يشوش على دور مؤسسة الرئاسة، في وقت أطلقت المؤسسة العسكرية بقيادة سعيد شنقريحة أياديها وأرجلها وأصبحت تتصدر عناوين الأخبار في الصحف والإذاعات والقنوات ومواقع التواصل الإجتماعي بنية إظهار حظورها وفاعليتها في كل كبيرة وصغيرة.
تنظيم العرس الإعلامي الخاص بالمؤسسة العسكرية في الجزائر تزامن مع التطورات التي عرفتها قضية الصحراء لدى الجار المغربي، خاصة بعد تحرير المغرب لمعبر الكركارات، واعتراف الإدارة الامريكية بالسيادة المغربية على الصحراء، وتوقيع الاتفاق الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل.
التقطت المؤسسة العسكرية في الجزائر هذه التطورات واستخدمتها كذريعة لإخراج رأسها من التكنات واستعملت الخطاب السياسي بشكل مباشر في توجيه الرأي العام الجزائري وتأليبه ضد المغرب، والإيحاء إليه بأن الخطر الخارجي على الأبواب.
انضمت المساجد في الجزائر إلى وسائل الإعلام وسلطت ألسنتها على هدف خارجي (المغرب)، وانسكبت كل الخطب والبلاغات والبيانات والتصريحات من منبع واحد، هو منع العسكر.
لم ينته الجزائريون من ابتلاع الخطر المغربي الداهم، حتى أضافت لهم المؤسسة العسكرية خطرا جديدا على حدود بلادهم، هو الخطر الإسرائيلي، وبدا في شكل طعم مسموم استعمل الجيش أصبعه لإدخاله بقوة في بلعم الشعب، وإقناعه بأن البلاد يجب ان تتوحد، ولا تلفت إلى أي شيء آخر سوى إلى هذا الخطر الخارجي المهول.
صورت وسائل الدعاية على اختلاف أجناسها وانواعها معارك مستمرة يخوضها “الجيش الصحراوي ضد العدو المغربي”، مع استعراضات موازية للجيش الشعبي الجزائري، فضلا عن عشرات المناظرات والحوارات والروبورطاجات حول مساوئ الجار المغربي، في أثون ذلك صدر عفو بشكل مفاجئ عن الجنرال المتقاعد خالد نزار قائد العشرية الدموية السوداء الذي حكم غيابيا بعد ثورة الحراك الشعبي وسقوط بوتفليقة في 2019.
أرسل العسكر طائرة رئاسية خاصة لنقله من منفاه في إسبانيا إلى العاصمة الجزائر، وقدمت له التحية وأفرش له البساط الأحمر، حدث هذا في غياب الرئيس تبون، وكان مقدمة لحدوث أمور غريبة أخرى تم الإعلان عنها في ما بعد، منها تبرئة شخصية دموية أخرى وبتعلق الأمر بالجنرال توفيق اسمه الحقيقي أحمد مدبن، وصدور حكم آخر بتبرئة سعيد بوتفليقة المعروف عند الجزائريين برئيس الدولة العميقة على عهد شقيقه الرئيس السابق عبد بوتفليقة، بالإضافة إلى آخرين كانت رؤوسهم مطلوبة في الحراك الشعبي الذي دعا إلى إسقاط النظام وتنحية كل رموزه.
مجيئ عبد المجيد تبون كرئيس للجزائر الجديدة، لم يكن في الواقع سوى خطوة سياسية متفقا عليها بين نخبة من قادة العسكر يتقدمهم الجنرال أحمد كايد صالح مهندس إخماد النسخة الاولى من الحراك الشعبي.
اقتضت الخطة ان يتم إسكات الحراك باستعمال شعار “الجيش والشعب خاوة”، وتمكن كايد صالح من مسك العصا من الوسط وانضم إليه قادة آخرون في الجيش وعلى رأسهم سعيد شنقريحة، وكان الهدف الأول هو إزالة خطر الشارع الجزائري، لأن الحراك عندما يقول “إسقاط النظام وكافة رموزه” يصل صداه مباشرة إلى الجيش، إن الجميع يعلم بأن المؤسسة الرئاسية صورية وأن العسكر هو الحاكم الفعلي في البلاد منذ بداية تأسيس الدولة الجزائرية، وأن جبهة التحرير الوطني ليست سوى الجناح السياسي لجنرالات الجيش.
نجح الكايد صالح في المهمة، والتف على مطالب الشعب، وتمت العملية بانتخاب تبون رئيسا للبلاد، لكن الرئيس الجديد سيفاجأ في اليوم التالي بوفاة صديقه الجنرال صالح الذي خطفه موت مفاجئ وغامض من مسرح الأحداث.
تولى سعيد شنقريحة الموقع الريادي على رأس المؤسسة العسكرية، وهنا بدأ الخناق يضيق حول رقبة الرئيس تبون، الذي لا يجد من كلمات وعبارات يصرح بها سوى ما يوجد في العلبة السوداء التي يعود تاريخها إلى حقبة الحرب الباردة، نسخة مشروخة من الهواري بومدين إلى بوتفليقة.
تؤكد مصادر مطلعة أن الرئيس تبون لم يعد قادرا على فتح صفحة مطالب الحراك الشعبي، وأنه وجد نفسه محاطا بجنرالات الجيش يملون عليه ما يجب فعله وما لا يجب فعله.
على الصعيد الخارجي، بدأ مسيرته الرئاسية بالتهجم على فرنسا، لكنه تراجع في ما بعد وابتلع لسانه، ليتأكد له أن قوة خفية تكبح جماحه، وتمت برمجة تبون لإشعال العداوة مع المغرب عبر تأكيده لدعم البوليساريو. وفي ليبيا تم توجيهه لتأييد الجنرال حفتر رغم انه كان في بداية الأمر يشير إلى دعم الطرح الدولي لحل الازمة في الجارة ليبيا.
وجد تبون قالب منصب الرئيس جاهزا وعلى مقاسات محددة وبمواصفاة معينة، وأصبح لازما عليه أن يغير شكله وجوهره حتى يناسب شكل وجوهر القالب الرئاسي.
عاد من رحلة العلاج الغامضة بقدمه اليمنى وهي مكسورة وفي انتظاره كرسي متحرك، قال في أول ظهور له وفي استقبال شنقريحة وآخرين ” هذا ما عطا الله”.
وقع على الدستور المعدل الذي يسمح للجيش بالتدخل في شؤون الدولة. ووقع أيضا على ميزانية 2021، التي يعتبرها الجزائريون أسوأ من جائحة كورونا، في وقت تراجع الاحتياط الوطني من العملة الصعبة بنسبة تجاوزت 70 في المائة، مع اعتماد اجراءات بمزيد تخفيض العملة الوطنية وتقليص الدعم للمواد الاستهلاكية المستوردة، وخفض ميزانيات التجهيز ، في الوقت الذي تضمنت ميزانية العام الجديد زيادة في نفقات المؤسستين العسكرية والرئاسية.
في ترتيبات تبدو مثل اجتماع أعضاء المافيا بدأ الجناح القديم في قيادة الجيش يلملم صفوفه للعودة إلى المنازلة السياسية، وهنا تقف الجزائر على صفيح ساخن في وقت بدأ الحراك الشعبي الذي تم إخماده في 2019، يستعيد زخمه وبدات شخصيات جزائرية من داخل الوطن وخارجه تعبر عن سخطها ونقمها واستهزاءها بقادة الجيش الذين تصفهم بالتسلط الظالم والغبي على الشعب الجزائري وتبذير ثرواته حتى تفقيره.
طابت أوقاتكم

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *