الجزائر.. القوة الضاربة المضروبة


عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار

- إشهار -


بدأ عام 2022 بالمقولة المأثورة “إن غدا لناظره لقريب”، وكم تمنت الشعوب المغاربية أن يكون لها اتحادا تشعر من داخله بالأمان الذي شعر به قراد صاحب هذه المقولة، الذي رد بها على النعمان بن المنذر ملك الحيرة، الذي أخبره الليلة، التي سبقت اليوم المقرر لإعدامه بسبب كفالة قراد لأعرابي يدعى حنظلة. وما أن دقت ساعة الصفر في اليوم التالي، ورفع السياف سيفه فوق رقبة قراد حتى جاء حنظلة، وسلم نفسه إلى الملك.
استغرب الملك قدوم حنظلة ووفاءه بوعده وسأله “ألم يكن لك ألا تأتينا؟”، أجاب حنظلة “أنا وفي بالوعد”. وسأله الملك “ومن يجبرك على الوفاء بوعدك مقابل حياتك؟”، أجاب حنظلة “إنه ديني”، ثم قال له الملك الذي كان وثنيا، “أخبرنا عن دينك”، وانطلق حنظلة يشرح للملك مبادئ الدين وما يدعو إليه من الوفاء بالوعد والسماحة مع الخصم والعفو عند المقدرة، فأعجب الملك النعمان بن المنذر بدين حنظلة واعتنقه، وأعتق رقاب الرجل، ساعتها التفت قراد للملك وقال له “ألم أقل لك إن غدا لناظره لقريب”.
من يدري ربما؟ ربما يتوقف النظام في الجارة الشرقية عن تلبيد الأجواء بافتراءاته عن المغرب وتكهناته المجانبة للصواب، ويغير عادته السيئة التي دأب عليها لأكثر من نصف قرن، متوهما أن المغرب “العدو الخارجي”، فيتخلى عن اعتقاده الباطل كما تخلى النعمان بن المنذر عن عادته السيئة بقتل الأصدقاء والمقربين الذين يأتونه في يوم النحس.
تظل أقوى عبارة مأثورة عن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال العام الذي ودعناه (2021) “الجزائر قوة ضاربة”، قالها وهو يهتزم من فوق الكرسي الذي كان يجلس عليه، مشيرا بحركة يده بالضرب على الطاولة. وجاءت الإشارة إلى القوة بصيغة التهديد والردع، والمقصود بطبيعة الحال من هذه الصيحة هو المملكة المغربية، التي بنى النظام الجزائري كل حساباته على إضعافها وتقزيمها وتقسيمها.
بعد أزيد من 46 سنة من تبني جبهة البوليساريو وإيوائها ودعمها عسكريا وماليا وسياسيا، تبين للنظام الجزائري أن المغرب حصل على صحراءه بينما هو حصل على البوليساريو، التي أصبحت عبئا سياسيا وماليا عليه، بل أكثر من ذلك هي أكبر شهادة تاريخية على ضلوعه في أكبر مشروع فاشل لأطول مدة في التاريخ لم يسبقه إليها أحد من الأنظمة في المعمور.
أدرك النظام الجزائري أن الأوراق الدولية طارت من يده، وأن المغرب عزز سيادته على الأقاليم الصحراوية باعتراف رسمي أمريكي، وقرار جديد لمجلس الأمن الدولي (2602) ينص على ضرورة تسوية نزاع الصحراء في إطار التفاوض السياسي وبمشاركة مباشرة للأطراف الرئيسية في الموائد المستديرة، ومن ضمنها النظام الجزائري، فضلا عن تمكن المغرب من دفع دول وازنة إلى الخروج من المنطقة الرمادية وإعلان تأييدها لمقترح الحكم الذاتي مثل ألمانيا وبريطانيا وبولندا.
استشعر النظام الجزائري أيضا قوة الديبلوماسية المغربية في حيازتها للمواقف المؤيدة من الدول في الاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي. وتواصلت عمليات فتح القنصليات في مدينتي الداخلة والعيون. ثم وتوالت الضربات من كل الجهات ضد النظام الجزائري بخصوص قضية الصحراء المغربية حتى وصلت إلى معركة الخرائط، وانتهت بالتشطيب على حلم هذا النظام في تثبيت دولة مصطنعة جنوب المغرب، وإن اقتضى الأمر بالنسبة إليه أن تكون على الورق فقط.
بعد تيقنه من فقدان كل الأوراق الدولية، وفي محاولاته اليائسة وربما الأخيرة، حاول النظام الجزائري الالتفاف على أوراق إقليمية وجهوية، ومن ضمنها محاولته وضع اليد على تونس وهي في أسوأ حالاتها، حيث استغل عزلة الرئيس التونسي قيس سعيد، عقب الانقلاب الذي أحدثه في السلطة في 25 غشت 2021، وبسبب حاجة البلاد أيضا للسيولة المالية الكافية لتسديد رواتب الموظفين، ورتب إلى الجارة الشرقية زيارة قام بها تبون في 16 دجنبر 2021، ومعه تصريح بدفع 300 مليون دولار كقرض لتونس.
حتى كتابة هذه السطور يقول التونسيون “إنهم لم يتوصلوا بأي شيء”، ويزيدون على ذلك بالقول “إن مبادرة النظام الجزائري مجرد رشوة لشراء موقف تونس ضد المغرب”.
اللعبة نفسها حاول النظام الجزائري أن يقوم بها من خلال القضية الفلسطينية، ردا على قرارات المغرب بتقوية تحالفاته الإقليمية والدولية ومن ضمنها تعزيز علاقاته بإسرائيل، فأرسل النظام الجزائري طلبا لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بزيارة الجزائر، التي حل بها في 5 دجنبر 2021، وكانت في انتظاره هبة بقيمة 100 مليون دولار، أملا في استصدار أي إماءة من الضيف الفلسطيني بإدانة المغرب بسبب تقاربه مع إسرائيل، وهو أمر لم يحصل، حتى أن عباس نفسه كان ضيفا في بيت وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، الذي سبق أن زار المغرب.
رغم كل ذلك، لم يتوقف النظام الجزائري عن المبادرات غير محسوبة العواقب، ومثل ما قال الصحافي الجزائري المعارض هشام عبود في تعليق على القرارات التي يتخذها حكام بلاده “أمور العصابة يقررونها مثلما يفعل جماعة المخمرين المختبئين تحت الجسر”، حيث وجه قصر المرادية دعوة إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني الذي حل بدوره في العاصمة الجزائر في 27 دجنبر 2021، وحسب الأنباء “تم الاتفاق على أمور كثيرة”.
إلى هنا تهدف تحركات النظام الجزائري في محاولات مكشوفة إلى تطويق المغرب باستمالة دول في الجوار مثل تونس وموريتانيا وربما ليبيا من أجل إطلاق مشروع الاتحاد المغاربي مع إضافة “دولة البوليساريو” وإقصاء المغرب كما تردد في بعض وسائل إعلام النظام.
يبني النظام الجزائري مشروعه الجديد من منطلق أن المغرب ارتبط مع إسرائيل بمعاهدة تعاون متعددة الأبعاد، ناسيا بأن المغرب كانت تربطه علاقات ديبلوماسية رسمية مع إسرائيل ظلت قائمة حتى عام 2002، فيما كان الاتحاد المغاربي قائم على حاله.
لم يفصح النظام الجزائري عن نواياه الحقيقية من وراء محاولات استمالة تونس وفلسطين وموريتانيا، فهو يستعمل أوراقا محروقة من قبيل معاداة إسرائيل للحصول على أصوات إقليمية لمعاداة المغرب، وهو أمر لم يتحقق له، لكن للأسف يمضي النظام الجزائري في سياسة الهروب إلى الامام، وتضييع مزيد من الفرص على الشعوب المغاربية الطامحة إلى تحقيق وحدتها واستقرارها وسلامتها.
في قول تبون “الجزائر قوة ضاربة”، يوجد مفتاح السر، فعناصر القوة منعدمة في بلاد تبددت فيها ثروات ببلايين الدولارات، لا تستطيع إخماد نار في الغابة، ولا تؤمن الزيت والبطاطا للشعب، ولا تحمي مواطنا من القتل في طابور أمام بائع الحليب.
يقول تبون “الجزائر قوة ضاربة”، ونقول له “إن غدا لناظره لقريب”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.