بقلم عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


اختار سعيد شنقريحة رئيس أركان الجيش الوطني في الجزائر، أسلوبا كلاسيكيا في الانعطاف على أحداث سياسية واقتصادية داخلية وخارجية في الجزائر. وكل ما يفعله شنقريحة هو تصدير الخوف الذي يقض مضجع طبقة العسكر الحاكمة من ثورة شعبية جامحة، وتحويله إلى الشعب الجزائري وتخويفه بعدو وهمي يوجد في الخارج. ويصور شنقريحة في الوقت ذاته نفسه على أنه المنقذ من ذلك العدو.
تجسد المناورات العسكرية بالذخيرة الحية، التي أشرف عليها شنقريحة في صحراء تندوف على مقربة من الحدود المغربية مقدمة موسيقية لمغامرات غريندايزر، يريد أن يقول من خلالها للجزائريين إنه ذلك البطل الحديدي الذي يحمي الكوكب من أخطار قادمة من الفضاء.

بذلك يقول شنقريحة للشعب الجزائري، “لا تفكر لا في الرئيس تبون ولا في من سبخلفه، أنا السعيد شنقريحة هنا في مهمة خطيرة تتعلق بمصير البلاد ومستقبلها”.
في تحليل هادئ لهذه الصورة، يبدو رئيس أركان الجيش الوطني في الجزائر مصمم على تنفيذ خطة معدة مسبقا للسبطرة على الشأن السياسي في البلاد وإعلان ذلك بشكل صريح ضد كل المؤسسات الأخرى وإن كانت في الواقع صورية.
كل الترتيبات تم اتخاذها على مستوى الجيش باستعادة السيطرة بيد الجناح القديم الذي كان يسير البلاد على عهد الرئيس المقعد عبد العزيز بوتفليقة.
يتعلق الأمر هنا بالمجموعة الموالية للجنرال خالد نزار، الذي كانت عودته من المتفى في إسبانيا مرفوقة بإطلاق سراح رموز النظام في المرحلة البوتفليقية.
وضعية الرئيس عبد المجيد تبون أصبحت في خبر كان، بعدما تأكد أن الجناج العسكري انقلب عليه وبات منذ اليوم الاول في قصر المرادية يتيما فور إعلان وفاة الكايد صالح الذي كان تبون يمثل بالنسبة إليه وجها سياسيا قابلا للصرف في سوق الشعب.
مرارا وتكرارا قال تبون إنه يشعر بأن يديه مقيدتين، وإن العصابة عصية على الاستسلام. ويبدو أنه هو من استسلم في الأخير وفضل ان يغيبه المرض على أن يكون مصيره بين الإسمنت وأحذية العسكر.
كل المعطيات تؤشر إلى أن الكايد صالح لم يمت ميتة عادية، وأن أصابع الاتهام تشير إلى خلفه سعيد شنقريحة ومن معه، وهذه حقيقة تبين أن مخطط فريق من الجنرالات في الجيش الجزائري ضاق ذرعا بصوت الإصلاح الآتي من الشعب ومن بعض السياسيين، فجاء رد هذا الفريق بالتخلص من أي رفيق في السلاح يتقاسم مع الشعب رؤية في الإصلاح.
بدأت عملية تصفية الحساب تارة بواسطة القضاء وتارة في الكواليس خلف جدران الثكنات. وفي خضم ذلك يجري وضع الأشخاص المناسبين في المواقع المناسبة.
طبعا ليس في ما يخدم مصلحة الشعب، وإنما في ما يحافظ على مصالح الطبقة الحاكمة نفسها، والتي ليست إلا طبقة الجنرالات الذين يعتبرون الحكام الفعليون للجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي.
السعيد شنقريحة وآخرون معه هم عناصر دائمون في قيادة الجيش الجزائري، وبالتالي هم مسؤولون عن كل ما حدث في الجزائر، وإن كانت من محاسبة حقيقية على تبديد ثروة البلاد سيكونون في مقدمة قائمة المتهمين.
لذلك وببساطة يفهم القاصي والداني سبب كل المناورات التي يجريها سعيد شنقريحة الذي يتزعم المجموعة الرافضة للاستسلام لمطالب الشعب الجزائري.
أكثر من ذلك هذه الجماعة مستعدة لإشعال نار الحرب في المنطقة لإخفاء معالم الفساد الذي تسببت فيه في البلاد لأكثر من خمسة عقود.
هل الحرب ممكنة؟
كانت ستكون أكثر من ممكنة، لو أن الجار الغربي (المغرب) انساق للاستفزازات التي يقوم بها النظام العسكري الجزائري، سواء من خلال التحرشات التي تقوم بها جبهة البوليساريو، او بواسطة البلاغات والادعاءات المغرضة ضد المغرب، أو حتى بسبب المناورات العسكرية المباشرة التي يتزعمها شنقريحة على الحدود المغربية.
طبعا للمغرب حساباته ولن ينجر إلى خدعة الحرب، لأن الرباط تعرف جيدا أن الغاية من مناورات شنقريحة ليس الدفاع عن الجزائر ما دام أنه ليس هناك في الواقع أي خطر خارجي يتهددها. وإنما الهدف من كل تلك المناورات هو تمويه الشعب الجزائري وتثبيت أركان حكم العسكر لأطول فترة ممكنة.
يبقى السؤال المطروح،هو هل هناك أطراف خارجية تساعد شنقريحة وجماعته على تنفيذ مخططاتها؟
ليس من المستبعد أن يكون للجهات الأجنبية التي لها مصالح اقتصادية وسياسية في الجزائر وفي المنطقة دور في توجيه الجماعة العسكرية الحاكمة في الجزائر.
تحقيق مصالح تلك الجهات سواء كانت في فرنسا أو إسبانيا او روسبا سيتم عبر مقايضة الجماعة العسكرية الحاكمة بدعمها وتأييدها والسكوت على جرائمها ضد الشعب الجزائري وضد دول الجوار.
ما يدعو للقلق هو أن هذه الجماعة فاقدة للشعور الإنساني والوطني، ويمكنها أن تفعل كل ما يملى عليها من الخارج للبقاء في السلطة حتى لو كان ذلك عبر قتل عناصرها لبعضهم البعض.
يجب التعامل مع خياراتها بحذر شديد والإسراع ما أمكن بدعم مطالب الشعب الجزائري، هناك قضايا مالية واقتصادية عالقة، وهناك غياب غير مفهوم للرئيس، وهناك أيضا تصفية للحسابات بين رموز النظام وأركانه في ظروف لا تنم عن وجود أي مفهوم للدولة في البلاد.
نتأسف لما يحدث في الجزائر، وما يدعو للقلق أكثر هو نزعة المغامرة لدى خاطفي الطائرة فالشعب رهيبنة، ولا يستبعد الخيار الانتحاري إذا اغلقت سائر المنافذ في وجه الخاطفين، عفوا في وجه الجماعة العسكرية الحاكمة.
طابت أوقاتكم

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *