عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


خاطئ من يعتقد أن الحرب التي تدور رحاها اليوم في أوكرانيا، هي حرب بين موسكو وكييف. فهي ليست كذلك، وإن انطلقت شراراتها الأولى من خلافات روسية أوكرانية حول حدود جغرافية في شبه جزيرة القرم، وحول خلافات عرقية في دونباس بين القومية الروسية والسلطات الأوكرانية.
ليس هذين المشكلين سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، فروسيا التي يقودها بوتين راكمت ما يكفي من الوقائع التي تعتبرها تجاوزات غربية في حقها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه.
على الصعيد الأمني، سجلت موسكو التوغل الغربي على حدودها، حيث التهم الناتو معظم دول حلف وارسو الذي كانت تقوده موسكو، وأصبحت الصواريخ الأمريكية على حدود الأراضي الروسية من جهة أوروبا كما من جهة القوقاز.
على الصعيد السياسي، سجلت روسيا أيضا، التوغل السياسي الغربي في داخل روسيا، وصار لواشنطن ولندن وباريس مندوبون غربيون دائمون من جنسية روسبة بحاصرون بوتين في الصحافة الروسية ومن داخل أحزاب ومنظمات روسية ويتهمونه بالديكتاتورية ويعرقلون مخططاته الاصلاحية.
على الصعيد الاقتصادي، رغم استفادة موسكو من علاقات اقتصادية وتجارية مهمة مع الدول الاوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، فإن موسكو عانت من مضايقات كثيرة قوضت العديد المبادرات الاقتصادية والتجارية الروسية، فهي تحت طائلة سلسلة من العقوبات الأمريكية منذ سنة 2014، فضلا عن التهديد، الذي تواصل بوقف مشروع أنبوب نقل الغاز نورم ستريم 2 عبر ألمانيا، زد على ذلك حتى اللقاح الروسي ضد كورونا سبوتنيك V، لم يسلم من الحصار، فتلقى ضربة في الدول الغربية وتم وقف تسويقه وتصنيعه في عدد من الدول التي تدور في الفلك الغربي.
من جهتها، ترى موسكو أن مصدر كل هذه المضايقات هو الولايات المتحدة الأمريكية، بالدرجة الأولى وإلى جانبها بريطانيا التي انسحبت من الاتحاد الأوروبي، فيما ظل الأوروبيون إلى وقت قريب جدا يفضلون التوزان في العلاقات بين واشنطن وموسكو.
فكر الأوروبيون في الحفاظ على المسافة نفسها بين روسبا وامريكا، خاصة بعدما أعطت الولايات المتحدة صورة سيئة عن علاقاتها بالحلفاء، في واقعة أفغانستان وانسحبت تاركة دول في الناتو تواجه مصيرها المشؤوم. على إثرها تم توجيه انتقادات حادة إلى إدارة البيت الأبيض. ووصل الأمر بدول في الناتو إلى عقد اجتماع يدعو إلى تشكيل منظومة أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة تتولى شؤون الأمن والدفاع.
طبعا، هذا الموقف الأوروبي لا يرضي واشنطن، التي سجلت بدورها أن الأوروبيون لا يتحملون التكلفة الحقيقية من حصتهم في الناتو، وأن الولايات المتحدة هي من تتحمل حصة الأسد، فضلا عن شجع دول أوروبية في الاستفادة من الفضاء الجيو سياسي، الذي توفره الولايات المتحدة عبر العالم، وقامت بتنمية استثماراتها والزيادة في ثراءها على حساب المصلحة الأمريكية، الأمر الذي جعل واشنطن مضطرة إلى تأذيبها، (فسخ عقد بيع غواصات فرنسية إلى أستراليا).
كما سجلت واشنطن أن رقم معاملات القارة العجوز مع روسيا، بدأ يفوق رقم معاملاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهو أمر نبه إليه الرئيس السابق دونالد ترامب، موجها أصابع الاتهام تحديدا إلى ألمانيا التي لها استثمارات ضخمة في روسيا وتتطلع إلى احتلال موقع مهم في الاتجار بالغاز الروسي، وهو ما يهدد دور أمريكا في سوق الطاقة الأوروبي والعالمي.
عطفا على ما تقدم، وصلت الأمرور بين روسيا والولايات المتحدة إلى نقطة الصدام، فالروس يرون أن مجالهم الحيوي مهددا أمنيا واقتصاديا وسياسيا بالمخططات الأمريكية، فيما يرى الأمريكيون أن مصالحهم الاقتصادية التي تراجعت في ظل التوغل الاقتصادي الصيني، صارت تضمحل أيضا في أوروبا بسبب الدور الروسي الآخذ في التألق، وأصبح لا بد من مواجهة بين الاثنين في مقابلة لي الذراع، أو حتى في مواجهة لكسر العظم.
المواجهة المباشرة غير ممكنة، وقالها الرئيس الأمريكي جو بايدن بصراحة، “إذا تبادل جنودنا إطلاق النار مع جنود روس إنها الحرب العالمية الثالثة”. ولهذا سحبت واشنطن كل مسؤوليها الديبلوماسيين من أوكرانيا، ودفعت كل حلفائها إلى القيام بما قامت، تاركة هذه “الأوكرانيا” مفتوحة على مصرعيها للهجوم الروسي.
أصبح هدف روسيا هو الضغط على الغرب بالتراجع، ولا تملك من وسيلة لفعل ذلك سوى آلتها الحربية في أوكرانيا، وهي مستعد للذهاب إلى أسوأ الاحتمالات باستخدام السلاح النووي.
فيما بات هدف الولايات المتحدة الأمريكية هو:
أولا، خنق روسبا وقتلها اقتصاديا حتى إن بقت في أوكرانيا لسنوات أخرى.
ثانيا، تعزيز دور واشنطن الأمني والاقتصادي في أوروبا وإعادة بعض قياداتها إلى بيت الطاعة.
ثالثا، إعطاء درس للصين من خلال عزل روسيا وإذلالها.
رابعا، الإطاحة بالعديد من الكيانات الاقتصادية المتعاملة في العالم مع روسيا.
من ستنجح أمريكأ أم روسيا؟
المؤكد أن كثيرا من الشعوب ستخسر، وأزمات اقتصادية على الأبواب، وفي حال تدخل أطراف أخرى في الصراع ستتوسع رقته عموديا وأفقبا والقادم مجهول.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *