بقلم عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


تساءل الكثير من المغاربة عن سر الحديث الذي خص به جلالة الملك محمد السادس الجزائر في خطاب العرش، في الوقت الذي بلغت العلاقات بين البلدين تصعيدا خطيرا غير مسبوق منذ أكثر من خمسة عقود.
تغاجأ الرأي العام المغربي للانقلاب بزاوية 180 درجة للاتجاه الذي كانت السياسة الخارجية المغربية بدأته في التعاطي مع النظام الجزائري، الذي راكم جهوده لأكثر من 45 سنة في الاعتداء على المغرب ومحاولة النيل من وحدته الترابية بدعوى دعم حق الشعوب في تقرير المصير.

بعدما أشهر المغرب ورقة حق تقرير مصير شعب القبايل، قدم للنظام الجزائري في محفل دولي الكأس نفسه ليتجرع مرارة السم الانفصالي، فجن جنون الطبقة الحاكمة والمهيمنة على الجزائر بأسرها وليس فقط على شعب القبايل.
إلى حدود هذه اللحظة، تكونت معالم التصعيد الذي لا رجعة فيه، واضطر نظام الكابرانات استدعاء السفير الجزائري في الرباط، وطلب تفسيرا لما حدث، لكن المغرب لاد بالصمت ولم يلتفت، فواصل النظام الجزائري العويل والنباح كعادته.
فجأة، يغير ملك المغرب خط الرحلة في اتجاه معاكس، ويمد يد المصالحة من جديد الى النظام الجزائري، هذه الخطوة لاقت قراءات متعددة على أكثر من صعيد.
على مستوى المغرب أولا، وفي ظل صمت وزارة الخارجية المغربية، جاءت معظم التخريجات التي قدمها المحللون السياسيون ناقصة وغير مقنعة، ولا تتجاوز حدود التأييد والدعم، مرتكزة على النهج الملكي الذي يتسم بالميل الى السلام وحب الخير لكل الشعوب.
على المستوى الدولي، وبدءا بالجارة الشمالية إسبانيا، تفاجأت في وسائل إعلامها بالمبادرة الملكيةتجاه الجزائر، ولكنها استغربت كيف أن ملك المغرب لم يخصص للعلاقات المغربية الاسبانية المتأزمة ولا ثانية واحدة في خطابه.
أما في فرنسا الحاضر الغائب الدائم في العلاقات المغربية الجزائرية، فانتظرت 4 أيام على مرور الخطاب الملكي لتخرج بعبارة التأييد والدعم للمبادرة التي تقدم بها ملك المغرب للصلح مع النظام الجزائري.
وفي عواصم أخرى، عربية وافريقية ودولية استقبلت المبادرة الملكية بالتأييد، واعتبرها قيادات تلك الدول عملا سياسيا شجاعا يرمي إلى تصفية الأجواء والانتقال بالمنطقة المغاربية إلى عهد جديد.
أما في الجزائر، التي يعنيها الأمر، فعلى مستوى النظام ابتلع لسانه هذه المرة ولم يعلق على المبادرة الملكية، ولكنه أطلق نباح وسائل إعلامه التي انطلقت في الترويج لمزاعم تقول “إن ملك المغرب شعر بالخوف من ردة فعل الجزائر بعد محاولة تحريك ورقة القبايل، وعاد لطلب الصلح”.
للرد على الترهات التي يروج لها النظام الجزائري، من جهة، ولتنوير الرأي العام المغربي حول ما جاء في الرسالة، التي وجهها جلالة الملك محمد السادس إلى النظام الجزائري، من جهة ثانية، هناك تفسير واحد لا ثاني له، وهو أن “ورقة الدعوة لاستقلال القبايل، وورقة الدعوة من جديد إلى المصالحة، هما معا ورقتان في قائمة وجبة أكل واحدة (un seul menu de repas)، وعلى النظام الجزائري أن يقرر الاتجاه الذي يريد السير فيه.
من زاوية أخرى، هناك تطور في الأحداث العالمية، وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، التي اختارت المغرب واختارها المغرب، في شراكة استراتيجية، بدأت آثارها تنعكس على علاقات المغرب بدول الاتحاد الاوروبي برمته، وأصبحت الرباط لا تقيم وزنا لبعض العواصم الأوروبية.
أصبحت القوة الدبلوماسية المغربية في صلب الاستراتيجية الأمريكية، الرامية إلى تعزيز الوجود الأمريكي في إفريقيا، هذه القارة، التي تمثل رهانا بالنسبة لمستقل الولايات المتحدة الامريكية في مواجهة العملاق الصيني، من جهة وكبح جماح قوى دولية أخرى تسعى لتنمية قوتها الاقتصادية والسباسية والعسكرية في إفريقيا.
بالنسبة لواشنطن حسمت موقفها في قضية الصحراء المغربية، وجاء ذلك في إطار رزمانة من القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، التي تم الاتفاق بشأنها. وفي الوقت نفسه، تركت ( أي الإدارة الأمريكية) الباب نصف مفتوح للنظام الجزائري الذي له علاقة بقضية الصحراء من خلال احتضانه لجبهة البوليساريو، وهنا تقول واشنطن للنظام الجزائري، “ندعم الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي”، تاركة له ممرا للخروج من هذه القضية، وتؤكد للمغرب والعالم في الوقت نفسه بأنه ليس هناك أي تغيير في الإعلان الأمريكي السيادي بخصوص الاعتراف بمغربية الصحراء.
تريد واشنطن الإسراع بالانتقال بدول شمال إفريقيا والشرق الاوسط إلى تشكيل حزام من الحلفاء يعزز موقعها الاقتصادي والسياسي والامني بين أوروبا وآسيا، وهي بصدد فعل ذلك في عدد من دول المنطقة، والجزائر لا تشكل استثناء، لكن على نظامها أن يلتقط الرسالة وينخرط في الاستراتيجبة الجدبدة.
كل ما تطلبه واشنطن من النظام الجزائري، هو ضبط ساعته على التوقيت الأمريكي، وهي تعلم جيدا أن هذا النظام جذوره في باريس وليس في مكان آخر، وعلى النظام الجزائري المتهالك ان يقرر ما يريد فعله في هذا الوقت الخطير.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *