عبدالهادي مزراري / شؤون الاستثمار


في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، عاش الرأي العام المغربي على وقع حادث مفجع إثر مقتل شاب يدعى قيد حياته عثمان وإصابة فتاتين كانتا برفقته على من دراجته النارية بإصابات خطيرة.
المثير في الأمر أن سبب الموت هو حادث سير نجم عن مطاردة قام بها شرطي المرور على متن دراجته، بعد أن رفض عثمان التوقف، فلاحقه حتى وقع ما وقع.
تناسلت الافتراضات وسمحت مواقع التواصل الاجتماعي لأشخاص عاديين كي يتحولوا إلى محقيقين، وخبراء قانون، بل أكثر من ذلك إلى قضاة يصدرون الأحكام في الهواء الطلق.
المخيف أكثر أن بعض الاشخاص تحت تأثير “الصدمة”، طالبوا بالانتقام، وتجيش بعضهم بشعار “البوليس قتل عثمان”، وقال أحدهم، ملمحا إلى “احتمال الانتقام من شرطي آخر بطعنه من الخلف بسكين”.
إلى هنا يجب أن نوقف التصوير، ونضع على الحروف ونسمى الأمور بمسمياته
نبدا من تصريحات مواطنين بالتلميح الى قتل رجال شرطة، وتصريحات أخرى بكلام نابي وعبارات تجاوزت السب والقدف والتشهير في حق رجال الأمن، هل هذا التصرف لا يعاقب عليه القانون؟
التحريض على القتل في وسائل الإعلام هو جريمة بمستوى الفعل الإرهابي، وتهديد الاستقرار، والمس بسلامة المجتمع، واعريض أمن الدولة للخطر.
للاسف لم ينتبه أحد إلى هذا الخطر، بل الأكثر فظاعة أن الجميع كان يريد أن يرى الشرطي خلف قضبان السجن. لكن دعنا نطرح هذا السؤال، هل الشرطي قتل عثمان؟ أم أن الشرطي كان سببا ضمن أسباب أخرى أدت إلى مقتل عثمان؟
في تحليل واضح للحادث يتأكد أن الأسباب التي أدت إلى النتيجة هي على الشكل التالي:

  • السبب الأول: وجود الشباب رحمه الله في وضعية غير قانونية، وعندما نقول غير قانونية، ليس بهدف إلقاء اللوم عليه، وإنما في قانون السير عندما تكون في وضعية غير قانونية فإنك في وضعية تعرض حياتك او حياة آخرين للخطر.
    ثلاث افراد على متن دراجة نارية بدون خودات، هو في حد ذاته خطر كبير.
    السبب الثاني، عدم الاستجابة لأمر الشرطة بالتوقف، هو مرحلة تضاعف الخطر، حتى من دون ملاحقة الشرطة، لأن السائق في حالة الهروب يفقد التركيز وتضيع منه السيطرة على آلته، ويصبح احتمال إلحاق الأذى بنفسه او بغيره على درجة عالية من الخطورة.
    السبب الثالث، عندما لاحق الشرطي بدراجته دراجة عثمان، تضاعفت نسبة الخطر، وأصبح عثمان، الذي رفض التراجع عن قرار عدم التوقف، مصرا على إجراء سباق مع الشرطي.
    إلى هنا، تكون الاسباب الثلاثة وصلت إلى نقطة اللاعودة، وحدوث الكارثة أمر لا مفر منه، وكانت الاحتمالات كثيرة، إما أن يصدم عثمان أبرياء في الطريق، أو يصدمهم الشرطي، أو يتعرض الشرطي لحادث مميث بدل المرحوم عثمان والفتاتين اللتين كانتا خلف ظهره.
    لكن الشكل الذي جاءت به النتيجة، جعل قسما من الرأي العام يقول “إن عثمان والفتاتتين هم ضحايا، والشرطي هو مجرم”. بينما الحقيقة ليس فيها ضحايا ولا مجرم، وإذا كان من مسؤولية يتحملها الشرطي فهي تقع في حدود درجته على سلم الاسباب، مع الأخذ بعين الاعتبار صلاحياته في مطاردة الفارين من الحواجز الأمنية من عدم ذلك، والإمكانيات المتاحة لاستبدال المطاردة بوسائل أخرى، وفي حالات معينة.
    إذا سلمنا بأن رجال الشرطة لم يعد في صلاحياتهم مطاردة الفارين، علينا أن نبارك لكل المخالفين للقانون في الطرقات، ونقدم التهنئة خاصة للصوص الذين يمتطون الدراجات النارية ويسرقون ضحاياهم في الشوارع والزقاق وينطلقون كالريح.
    مؤسف أن يطرح هذا الحادث شكوكا حول دور رجال الأمن، وبكل صراحة، من دون الأمن كان معظم المغاربة سيكونون في عداد الضحايا على يد جيش من المجرمين المتخفين بين ظهران المجتمع، نجدهم حتى من مستعملي الطريق لا يقيمون وزنا لأي قواعد السير، ونسبة الحوادث في بلادنا تكاد تكون الأكثر ارتقاعا في العالم.
    عندما دفنا عثمان رحمه الله، ونرى الشرطي خلف قضبان السجن، يجب أن ندرك اننا حبسنا شرطا من شروط السلامة في المجتمع، فالشرطي المسجون الآن هو ليس ضحية حادث تسبب فيه المرحوم عثمان بطيشه، ولكن الشرطي ضحية الهجمة العشواء في مواقع التواصل الاجتماعي في وقت تريد فيه المؤسسة التي يعمل فيها أن تظل في أفضل صورة في عيون المواطنين.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *