الغيث أوله قطرة بين الرحمة والتدبير
شؤون الإستثمار
﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
كما يوضح ابن كثير رحمه الله، فإن هذه الآية تشير إلى أن المطر يأتي بعد فترات من الشدة والجفاف، ليحيي الأرض بعد موتها وينشر رحمة الله بين عباده. الغيث إذًا ليس مجرد ماء، بل رحمة تُنعش الأرض والإنسان معًا.
بعد سبع سنوات من مواسم الجفاف المتتالية، عاد الغيث ليُنعش الأراضي ويبعث الأمل في النفوس. فالمطر، في وعي المغاربة، ليس مجرد ظاهرة مناخية، بل حدث يربط بين الروح والاقتصاد ويعيد الحياة إلى الحقول والناس معًا.
وفي هذا السياق، أظهرت المعطيات الرسمية أن نسبة ملء السدود التابعة لوكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية بلغت، إلى غاية 2 يناير 2026، حوالي 88,31%، بحجم حقينة ناهز 978 مليون متر مكعب، من أصل طاقة استيعابية تقارب 1,1 مليار متر مكعب.
ويبرز ضمن هذه المؤشرات سد سيدي محمد بن عبد الله، الذي سجل نسبة ملء تجاوزت 94%، ما يعكس تحسنًا ملموسًا في حقينة المياه بهذا الحوض الحيوي.
هذا التحسن لا ينبغي أن يُقرأ بمنطق الارتياح الظرفي، بل كفرصة لإطلاق مرحلة جديدة قوامها نقل التكنولوجيا في تدبير ندرة المياه، وتطوير حلول إعادة الاستعمال، وتعزيز سلاسل الإنتاج الفلاحي، خاصة في ما يتعلق بـهندسة الأعلاف لضمان استقرار القطيع والحد من الهشاشة في قطاع تربية الماشية خلال سنوات الجفاف.
كما يطرح هذا التحسن فرصًا لمراجعة السياسات الاستثنائية المتبعة في قطاع الأغنام والأبقار، مثل الإعفاءات الجمركية، بما يضمن انعكاسها المباشر على أسعار اللحوم داخل الأسواق، ويدخل الفرحة على عموم الطبقات. وفي حال عدم تحقيق هذا الأثر، فإن استرداد الإعفاءات وتحويلها إلى حقوق جمركية لفائدة خزينة الدولة يظل خيارًا مشروعًا وضروريًا لضمان الانضباط الاقتصادي.
بين الغيث الذي نزل رحمة، والتدبير الذي يبقى مسؤولية بشرية، يظل الرهان هو تحويل الأمطار إلى أمن مائي دائم، والاستثناءات إلى سياسات عادلة، والفرصة إلى إصلاح مستدام، يوازن بين حماية المواطن وصيانة الموارد.
Et
بقلم: سيدي محمد العايدي الإدريسي
محلل وخبير في السياسات الاستراتيجية