عبد الواحد الحطابي / شؤون الاستثمار

بطعم خاصٍّ، تخلد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تظاهرة فاتح ماي العمالي لهذه السنة (2022). طعمٌ، تجرعت آلامه الحارقة بمرارة الطبقة العاملة المغربية بفقدان أحد أكبر رموزها وزعاماتها التاريخيين، والأب الروحي للكونفدرالية و كاتبها العام السابق الفقيد نوبير الأموي. طعمٌ، أيضا، بسياق وطني وإقليمي ودولي، وامتداده الوبائي لجائحة كورونا المتطورة، تتشكل وطنيا، عناوينه الرئيسة من تولي حكومة 9 شتنبر 2021، بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، تدبير الشأن العام، أبصم تحالفها المشكل من حزب الاستقلال، والأصالة والمعاصرة، على رفع ثمن المحروقات والمواد الأساسية إلى مستوى قياسي، زادت تداعياته المتواترة في ضرب القدرة الشرائية للمواطنين، وانتجت موازاة بذلك، حوارا اجتماعيا مركزيا وقطاعيا لم تتكشف بعدُ مخرجاته، ولا زالت تبعا لذلك، مآلاته محط استفهام وترقب وانتظار من قبل الحركة النقابية، سنأتي على الكثير من تفاصيله خلال مواكبتنا الاعلامية لتخليد الكونفدرالية لتظاهرة فاتح ماي.

 ونعتبر في هذا السياق، أن المدخل الطبيعي والموضوعي يقتضي وضع القارئ والمتتبع في قلب فكر وثقافة وأدبيات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، كما ترجم ثوابته  الكاتب العام السابق الفقيد نوبير الأموي في كلمة تخليد المركزية النقابية أول فاتح ماي كونفدرالي سنة 1979 تحت شعار:  

“فاتح ماي يوم النضال من أجل ضمان الحريات النقابية والقضاء على استغلال الطبقة العاملة”

“أيها الأخوة الضيوف الذين نعتز بحضورهم معنا في هذه المناسبة، جماهير شعبنا الأبي، والطبقة العاملة المغربية تحتفل بعيد الشغيلة الأممي، هذا اليوم يمثل تجسيد المبادئ النضالية بين كل فصائل الطبقة العاملة وكل الجماهير المسحوقة الرازحة تحت نير الاستغلال والاحتكار، والتواقة إلى حياة كريمة تسود فيها العدالة وينتفي فيها استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، لا تنسى خيرة مناضليها وأطرها الذين يخلدون هذه الذكرى في السجون والمعتقلات دفاعا عن مطالب الكادحين، والذين تحاكم في اشخاصهم كل مواقف النبل والنضال النقابي الحق ضدا على الأوضاع المزرية للطبقة العاملة التي ما وجدت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلا لمناهضتها وتغييرها.

ولا تنسى أيضا شهداءها على امتداد تاريخ الحركة النقابية المغربية واتساع رقعة المغرب الكبير أمثال الشهداء فرحات حشاد، وبدر عيسى، وابراهيم الروداني وعمر بنجلون، والتانونتي عبد الله، والشاب البريء كرينة محمد الذي استشهد في الأسبوع الماضي (التاريخ) بأكادير نتيجة التعذيب الجهنمي الذي تعرض له والذي تحمله في صبر أيوب دون أن يضعف أو يلصق إحدى التهم بأحد مناضلي الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. فمن أجل هؤلاء وكل شهداء الحركة النقابية في العالم .. وشهداء حركات التحرر الوطني والعربي والعالمي، أدعوكم الالتزام دقيقة صمت ترحما عليهم أجمعين.

بناء الأداة النضالية ومكافحة الانحرافات النقابية

إن احتفال الطبقة العاملة المغربية هذه السنة (1979) بفاتح  ماي يحمل طابعا متميزا، ومغزى عميقا ذلك أنه يتم ولأول مرة والشغيلة المغربية قد أنجزت مهمتها التاريخية ببناء اداتها النضالية على أسس ديمقراطية وجماهيرية وصححت مسارها بربط نضالها بكفاح حركة التحرر الوطني في بلادنا.

لذا فإن ميلاد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل جاء تتويجا للنضال الطويل والمرير للطبقة العاملة المغربية من أجل تحسين ظروف عيشها المادي والمعنوي والمساهمة مع باقي الجماهير الشعبية في تمتين وتوسيع الحريات الديمقراطية وذلك ضدا على الاختبارات الرأسمالية الليبرالية اللاشعبية. وفي نفس الوقت كان النضال الديمقراطي المستمر، في عمقه ومداه نضالا داخليا ضد بروز وتفشي الانحرافات النقابية التي تتمثل في قمع الديمقراطية الداخلية وفي الممارسات البيروقراطية كجز من سياسة التعامل الطبقي من أجل تمرير خطة الطبقات البورجوازية وبسط نفوذ الرأسمال.

واليوم، بعد خمسة شهور فقط من نشأة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل اتضح للجميع، للخصوم قبل الأصدقاء، للمتمردين والمتشائمين أن منظمتنا تشكل بالفعل ذلك الحدث التاريخي الهام الذي لا يبز إلا نادرا في مسلسل الأحداث كنتيجة لتراكمات نضالية عديدة ومتنوعة ومخاض عسير. وأصبحت بذلك توحد حول خطتها ونضالاتها كل القوى الديمقراطية. فقد خطت خطوات عملاقة وهي بعد في المهد، وأصبحت بذلك نشيدا يتردد على كل الشفاه، رمزا للنضال والصمود، للتحدي والشموخ، تحتل مواقع متقدمة في النسيج الاجتماعي وتحتضن مئات الآلاف من الكادحين كلهم وعي متفجر وإرادة لا تقهر، وتساهم من خلالهم وبهم في صنع الأحداث الحقيقية والتقدمية.

فلم تنشأ فقط الكونفدرالية الديمقراطية للشغل انطلاقا من قطاعات اقتصادية أساسية في مجال الانتاج والخدمات الوطنية كالفوسفاط، والسكك الحديدية والماء والكهرباء والسكر والشاي، والبترول، والغاز، والبريج، والصحة، والتعليم، ولكنها اتسعت إلى قطاعات حيوية أخرى لعبت دورا أساسيا في بناء الحركة النقابية وتدعيمها وهي الفلاحة، والتبغ، والبلديات.

وهكذا ومنذ 26 نونبر 1978 ارتفع عدد النقابات الوطنية التي تغطي مجموع أقاليم البلاد إلى ثمانية نقابات وطنية إلى حدود عشرة في وقت يستمر فيه العمل بجد ومسؤولية وعلى أسس ديمقراطية في قطاعات متعددة في أفق تحضير مؤتمرات تأسيسية لنقابات وطنية أخرى، كما تعززت صفوف منظمتنا بانضمام العديد من المؤسسات الاقتصادية التابعة للقطاع الخاص والمتواجدة في مختلف الأقاليم، ولا يمر أسبوع دون أن تؤسس نقابات في عدة معامل.

وترافق هذه الحيوية التنظيمية تأسيس اتحادات جهوية كإطار للتنسيق والتعاون وتوحيد الخطة النضالية بين المكاتب المحلية للنقابات الوطنية ونقابات المؤسسات.

ولم تتخذ هذه الدينامية التنظيمية طابع التوسع الكمي ـ قطاعيا وجغرافيا ـ بل تجاوزته إلى ممارسة حقيقية للديمقراطية داخل التنظيمات النقابية على جميع الأصعدة، سواء كان ذلك في انتخابات الأطر المسيرة أو في اتخاذ القرارات التوجيهية، الشيء الذي جعل من هذه الممارسات الديمقراطية، ولأول مرة منذ سنة 1961، عاملا أساسيا في اذكاء العمل النقابي المسؤول وتوحيد الرؤيا بين المناضلين وتحديد الهوية التقدمية الجماهيرية للتنظيمات النقابية، وهذا ما يفسر أصالة منظمتنا وتجذرها في أوسع قطاعات الجماهير العمالية وتعاطف بقية الكادحين من فلاحين فقراء، وتجاوز صغار ومتوسطين، وحرفيين، ومثقفين ثوريين، وكذا القوى الديمقراطية مع تنظيمنا المركزي: الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

حركة مطلبية مشروعة … ومسؤولة

إن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وكتجسيد للحركة التصحيحية في الميدان النقابي خلقت مسلسلا نضاليا واسعا داخل مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. وهكذا فقد قامت كل من السكك الحديدية والفوسفاط، والسكر والشاي والصحة والبترول والغاز والتعليم وكوديير …وغيرها من القطاعات بحركات مطلبية مشروعة اتخذت في مجملها شكل اضرابات منظمة ومسؤولة…

ويجب أن نشير هنا إلى أن هذه النضالات المطلبية بالأساس هي وليدة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي تعاني من ويلاتها الجماهير الكادحة الأمرين، وبالتالي فهي ليست كما يدعي خصوم الديمقراطية في بلادنا ودعاة التبعية الاقتصادية وأبواقهم، مجرد أعمال اعتباطية لا مبرر لها، إنها بالعكس رد فعل طبيعي ودفاع مشروع عن النفس من لدن الطبقة العاملة، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل معبر أمين عن مطامحها، من أجل مواجهة الهجمة الشرسة التي تشنها الطبقة البورجوازية الاستغلالية على القدرة الشرائية لجماهيرنا وعلى مكاسبها في ميدان العمل النقابي وفي ميدان الحريات الديمقراطية والنقابية.

فماذا كان ينتظر من الطبقة العاملة المغربية ومنظمتها  الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في ظروف اقتصادية واجتماعية تطبعها السمات الأساسية التالية:

ــ تجميد الأجور لسنوات عديدة في وقت عرفت فيه أثمنة المواد، وخصوصا منها المواد الأساسية التي تستهلكها الطبقات الشعبية، ارتفاعا مهولا، فيكفي أن نشير مثلا إلى أن مستوى الأثمان ارتفع فقط خلال المدة ما بين 1973 و1979 بما لا يقل عن 100% هذا في الوقت الذي تعرف فيه الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وغيرها تقلصا كبيرا له آثاره المادية والمعنوية على الجماهير الشعبية.

ــ اتساع البطالة والبطالة المقنعة التي أصبحت تشمل أكثر من مليوني نسمة وستتوسع لتشمل في آخر السبعينات ما يقرب من 50% من السكان النشيطين بعدما كانت تشمل في بداية الستينات حوالي 25% منهم.

إثراء فاحش لكمشة من الاستغلاليين

وقد رافق هذا التدهور لمستوى معيشة الجماهير إثراء متزايد وبشكل فاحش لكمشة من الاستغلاليين أدى إلى تعميق الفوارق الطبقية داخل مجتمعنا.

وتعترف الاحصائيات الرسمية نفسها بهذه الهوة الكبيرة بين الطبقات الأكثر فقرا، كما أنها سجلت في هذا الصدد أن النسبة الموجودة بين الدخل الأكثر انخفاضا والدخل الأكثر ارتفاعا تتجاوز 1 على 330 في وقت كانت فيه هذه النسبة من التفاوت في بداية الستينات لا تمثل سوى 1 عل 50.

إن هذه الوضعية بما فيها من مميزات مأساوية، من انخفاض فعلي في الأجور ومن تدهور في القدرة الشرائية للجماهير الكادحة واتساع الفوارق الطبقية، لهي نتيجة لسياسة منهجية تستهدف إفقار الفقراء وإغناء الأغنياء وتعمد في أسلوبها ومضمونها على النهج الرأسمالي الليبرالي الذي يزيد من تبعية بلادنا لمراكز النفوذ والتقرير التي تتحكم فيها الرأسمالية العالمية.

ولما وصلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية إلى مستوى من التدهور أخذ استياء الطبقة العاملة يتبلور في ردود فعل نضالية، اضطرت الحكومة إلى الاعتراف بوجود الأزمة ومشروعية المطالب قبل أن تدعو إلى حوار مع المنظمات النقابية المركزية. وقد أبدينا في تلك الفترة استعدادنا للدخول في كل حوار هادف يتوخى حل مشاكل الطبقة العاملة والتخفيف من الوضعية المتردية التي تعاني منها الشغيلة المغربية.

مساهمتنا في الحوار

وفي الحقيقة فإن المنظمة النقابية الوحيدة التي كانت مستهدفة من خلال هذا الحوار هي منظمتنا الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي كانت نقاباتها الوطنية تخوض نضالات واسعة، خاصة في القطاع العمومي والشبه عمومي، الذي يهم الدولة مباشرة. والتي طرحت لأول مرة الدفتر المطلبي للطبقة العاملة على اختلاف فصائلها، موظفين ومستخدمين وعمال.

ورغم أن الحكومة قد حشرت في أول لقاء معها عددا من النقابات لا تعرف لها وجودا وأخرى صوت مسؤولوها في البرلمان على برنامج الحكومة السابقة وميزانية 1979 والتي لم تتضمن ولا درهما واحدا زيادة في الأجور.

وقد ساهمنا بالفعل في هذا الحوار وشاركنا بروح إيجابية في عدة لقاءات مع المسؤولين الحكوميين. كما قدمنا مذكرة أنجزنا فيها الأرضية المطلبية للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وركزنا على مطلبين أساسيين رأينا من الضروري الاستجابة لهما كمنطلق أولي لحل المشاكل المتراكمة والمعقدة. وهكذا فقد طالبت في بداية الأمر بمراجعة نظام الأجور والتعويضات وذلك بالرجوع إلى نفس القدرة الشرائية التي كانت تتوفر عليها الفئات العمالية سنة 1962، حيث جمدت قيمة الحد الأدنى للأجور لمدة عشر سنوات في وقت ازدادت فيه اثمان المواد بشكل متصاعد خصوصا ابتداء من سنة 1973 عندما بلغت هذه الزيادة 12% في السنة، كما أكدت المذكرة على ضرورة نهج سياسة جديدة في ميدان الأجور تقضي بتوزيع ثمرات الزيادة الحاصلة في الإنتاج الوطني على كافة الفئات فيه، ولو بنسبة متساوية، مما يقضي إضافة عامل الإنتاجية بنسبة 3% سنويا للفترة المتراوحة ما بين 1962 ــ 1979.

مطالب من أجل بلوغ الأهداف: الضروريات لا الكماليات

ولبلوغ هذه الأهداف فقد طالبنا برفع الحد الأدنى للأجور إلى 1000 درهم في الشهر، كما أن تفادي السقوط في نفس المخاطر مستقبلا يحتم الالتزام بتطبيق ظهير 1959 حول السُلّم المتحرك وذلك على كافة مجالات القطاع الخاص وتعميم مقتضياته على القطاع العمومي والشبه عمومي.

لكن هذه المطالب أزعجت المسؤولين واعتبرتها البورجوازية لا معقولة وفي إطار المزايدات، علما أننا ما طالبن في الحقيقة إلا بالحد الأدنى الضروري لبقاء العمال في مستوى الاستغلال الذي كانوا عليه سنة 1972، لم تكن مطالبنا تتجاوز  2/1 برتقالة لكل فرد من أسرة عامل تتكون من خمسة أفراد بدل أقل من  10/1 برتقالة، وخبزة ونصف في اليوم بدل خبزة، وبيضة في الأسبوع بدل واحدة في الشهر، كلغ واحد من اللحم في الأسبوع بدل نصف كلغ، وبيتا من غرفتين في حي شعبي بدل كوخ من الخشب في أحياء القصدير، وكل هذا يدخل في إطار المواد الضرورية لا الكمالية.

أما الجانب الثاني الذي تطرقت له المذكرة فيتعلق بمراجعة قانون الشغل وذلك بـ:

1ـ تصفية القوانين من روح الاستغلال وجعل علاقات العمل أكثر عدالة وانسانية.

2ـ تدعيم الاستقلال الوطني بالقضاء على الامتيازات والتسهيلات الخاصة الممنوحة للرأسمال، والتي تؤدي عمليا إلى تقوية التسريحات وتفاحش الاستغلال.

3ـ اشراك العمال في تسيير المؤسسات الاقتصادية.

4ـ جمع وتدوين وتبسيط قانون الشغل.

ومن أجل توفير كل الشروط الضرورية لإنجاح الحوار طالبت المذكرة بضرورة الإطلاق الفوري لسراح كل الأطر النقابية التي كان قد تم اعتقالها بشكل تعسفي. ولم تكتف الحكومة في هذه المرحلة الأولى من الاتصالات بالتأكيد من جهة على اعترافها بجدية المطالب وطابعها المدروس والمنطقي وشرعية الاضرابات، وبالتأكيد من جهة أخرى على عزمها على إطلاق سراح المعتقلين النقابيين، ولكن إذا كان هذا هو موقف الحكومة على مستوى الأقوال، فإنها على المستوى العملي قد نهجت سلوكا آخر مناقضا لتصريحاتها، واختارت في الجملة خطة معادية للطبقة العاملة ومنظمتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وتوج سلوكها المعادي هذا بحملة مسعورة واسعة تجلت في الاعتقالات الجماعية والفردية على الصعيد الوطني، كما شملت معلمين وأساتذة وإداريين وأطباء وممرضين وعمالا بمختلف القطاعات، ومنهم من بقي محجوزا في الكوميساريات أو داخل المقاطعات، ومنهم من جلد وعذب، كما تجلت ــ وبشكل لم يسبق له مثيل لا في عهد الاستقلال، ولا حتى في عهد الاستعمار ــ في الطرد الجماعي لخيرة أبناء شعبنا وأطره الساهرة على فلذات أكبادنا وعلى صحة المواطنين. ولقد ظهر حقد المسؤولين أخيرا في قرار الاقتطاع من أجور آلاف من رجال التعليم والصحة.

وتأتي كل هذه التدابير الزجرية والقمعية لتخرق القوانين المعمول بها ولتحرم المواطنين من ممارسة حقهم المشروع الذي يضمنه الدستور. وإذا كانت هذه الخروق للقانون تعكس تمادي الحاكمين في الهروب من المشاكل وفي تجاهل المطالب العادلة للجماهير الشعبية ــ الشيء الذي لن يزيد الوضعية الا استفحالا وتعقيدا ــ فإنها في نفس الوقت وبشكل موضوعي تؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية بضرب ما تبقى من مكاسب لعنصر أساسي لهذه الجبهة وهو الطبقة العاملة، هذه الطبقة التي تساهم بعرق جبينها في عملية الانتاج، كما ساهمت في الماضي القريب في مسيرة استرجاع صحرائنا. وفي عملية قرض تنمية الصحراء، وهي التي تتحمل أكثر من غيرها عبء التضحيات في الوقت الذي تلتجئ فيه البورجوازية إلى أسلوب الموعظة وإعطاء الدروس في الوطنية لتغطية استغلالها المتزايد، وامتناعها في الظروف الاستثنائية التي تعيشها بلادنا، في التخلي عن أدنى ما تتمتع به من امتيازات عديدة، واحتكارات متنوعة.

وبدون مبالغة فإن تلك الإجراءات القمعية اللاقانونية لتعد كارثة وطنية بالنسبة لسمعة بلادنا في الخارج في وقت يستغل فيه خصوم وحدة بلادنا الترابية والمتربصون بها للزيادة في عزلتها.

مسلسل القمع في التعليم والصحة

ولقد بدأ مسلسل المنع منذ الاضراب الثاني لرجال التعليم في إطار النقابة الوطنية للتعليم في بداية العام الماضي عندما جندت الحكومة كل وسائل الإعلام والدعاية لتأليب الرأي العام الوطني ضدهم بدعوى ضياع السنة الدراسية، وضياع التلاميذ، لكن الرأي العام الوطني، أنصف رجال التعليم لأنه كان يدرك أن على رأس المطالب التي يطرحونها إصلاح الوضعية التعليمية وانتهاج سياسة هادفة إلى تعميمه وجعل المعرفة الضرورية في متناول كل أبناء شعبنا وربط التعليم بالتنمية الاقتصادية في إطار اختيارات شعبية وديمقراطية.

ونفس الشيء بالنسبة لإخواننا رجال الصحة الذين كانوا وما يزالون يضعون على رأس مطالبهم نهج سياسة صحية تضمن التطبيب والعلاج في ظروف مرضية لكل المواطنين والذين حاولت الحكومة كذلك إثارة الرأي العام ضدهم عندما قاموا بأول إضراب في مارس 1979.

وأمام عدم توفير شروط حوار جدي ومسؤول رغم أننا التزمنا في غير ما مرة، والصلابة في غير ما مرة تصلب والواقعية في غير ما مزايدات أو ديماغوجية.

أمام المحاكمات والأحكام القاسية، وتهرب الحكومة من وضع يومية لحوار يتوج ببروتوكول اتفاق حول المطالب المطروحة، التجأ إخواننا في التعليم والصحة في ظل نقابتيهما الوطنيتين إلى اضراب يومي 10 ـ 11 أبريل 1979. ورغم أن الكل اقتنع بإمكانية تأجيل هذا الاضراب في حالة التزام الحكومة بما سبق أن طرحناه من شروط قصد الدفع بالحوار في الاتجاه الايجابي.

وأمام تراجع الحكومة عما التزمت به جلسة 5 أبريل 1979 من مسطرة جديدة للحوار وتكثيف الضغط علينا قصد تأجيل الإضراب بل منعه، لم يكن من اختيار ينسجم مع مبادئنا إلا تنفيذ قرار الاضراب في جو من الصمود والنضال لم يسبق أن عرفته الحركة النقابية على امتداد تاريخها النضالي، ورغم أن الحكومة نزلت بكل ثقلها فقد نجح الاضراب… والآلاف معتقلون ومحاصرون في المقرات والمؤسسات … وكان هناك شعار واحد يتردد دويا “صامدون صامدون في سِ.دِ.تِ. مناضلون”.

وأمام هذه التدابير اللامسؤولة، وتصاعد القمع ضد الجماهير العمالية، وضد منظمتنا ومناضليها وأطرها فإننا نعلن أمام الملأ وفي هذا اليوم المشهود تشبتنا بخطنا النضالي، وبمبادئنا الثابتة في الدفاع بحزم ومسؤولية عن الحقوق والمطالب المشروعة للشغيلة المغربية، كما نلتزم بالوقوف ماديا ومعنويا بجانب جميع من مستهم اجراءات الحكم التعسفية من معتقلين ومطرودين وموقوفين، ولا يفوتنا أيضا أن نقول، سواء لخصوم الديمقراطية أو لمن تعودوا التعامل مع منظمات ذيلية خاضعة، إن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ومن ورائها الطبقة العاملة المغربية لمصممة على الصمود والنضال.

إن منظمتنا لتستمر في الاعتقاد بأن وضع بلادنا ومتطلبات الدفاع عن وحدة ترابنا الوطني من جهة، والحاجيات الجديدة والمتنامية للشعب المغربي في عيش كريم ومساهمة فعلية في الحياة الوطنية من جهة أخرى لتجعل من الطريق الديمقراطي هو وحده الكفيل لتجنيب بلادنا جميع الأخطار والكوارث.

لقد كشفت نضالات العمال والمأجورين الأخيرة، سواء على مستوى قطاع التعليم أو الصحة العمومية أو على مستوى صناعة البترول والسكر، عجز الحاكمين عن مواجهة المشاكل المطروحة، هذا العجز الذي جاء كتتويج لمسلسل التفقير والاستغلال، وتكريس اختيارات لا شعبية رأسمالية ليبرالية لخدمة مجموعة من الوسطاء والمحتكرين والبورجوازيين.

وإن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي أكدت غير ما مرة بأن الأزمة الحالية هي أزمة هيكلية وليست أزمة ظرفية كما تدعي الطبقات السائدة. فإنها تؤكد اليوم بأنه لا مخرج من الأزمة إلا بالسير على طريق التحرر الاقتصادي والاجتماعي. هذا التحرر الذي لا يمكن أن يبلغ مداه إلا بإطلاق الحريات النقابية والسياسية والكف عن تزوير إرادة الجماهير الشعبية.

وفي هذا الصدد، فإن مراجعة الدستور مراجعة جذرية وإجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة وتوسيع الحريات النقابية والديمقراطية لتعد من المهام الفورية والمستعجلة لمشاركة الجماهير الشعبية على مستوى التقرير والتنفيذ.

كما أن هذه الاجراءات رهينة بتصفية الجو السياسي وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، والسماح للمنفيين والمغتربين بالعودة إلى أرض الوطن.

الوحدة الوطنية في مواجهة الأطماع الخارجية

إذا كانت وحدة بلادنا الترابية ما زالت تتهددها بين الحين والآخر أطماع توسعية من طرف حكام الجزائر وصنائعهم، وإذا كانت هذه الوحدة قد حققت بفضل تظافر وتكاثف كافة الجهود الوطنية، فإن حماية وصيانة هذه الوحدة تستلزم العمل والالتزام باستراتيجية جديدة تضع حدا لسياسة الاستنزاف ولوضعية اللاحرب واللاسلم. هذه الاستراتيجية التي يجب أن تصبح واقعا ملموسا، خاصة بعد تصعيد مرتزقة الجزائر عملاء الامبريالية والاستعمار الجديد لهجوماتهم على ترابنا للانتقال من سياسة التردد على سياسة الهجوم باستعمال حق المطاردة والمتابعة، وبتعبئة الجماهير الشعبية المغربية، لوضع حد لأطماع الطامعين وتناور المتناورين.

ونحن إذ ننوه بصمود وبسالة جيشنا المغربي في الصحراء، نؤكد ومن على هذه المنصة بأن الطبقة العاملة التي ساهمت مساهمة فعالة في استرجاع أقاليمنا الصحراوية، لمستعدة اليوم لبذل المزيد من التضحيات لصيانة الوحدة الترابية، واستكمال تحرير ما تبقى من الأجزاء المغتصبة.

والطبقة العاملة المغربية، التي تؤكد اليوم من جديد أنه لا تنازل ولا تفريط في حبة رمل من صحرائنا، توجه نداء إلى عمال الجزائر للضغط على حكامهم للتراجع عن سياسة الهيمنة والعدوان، وتجنب الحرب بين الأشقاء، والتوجه نحو بناء المغرب العربي الديمقراطي، القائم فعلا على الاستغلال المشترك لخيرات كل الصحراء الشرقية والغربية.

حملة التضامن الفعلي ستشق طريقه

لقد كان قرار الإضراب قرارا مشروعا، والذي يمزق ويخرق المشروعية الآن هو الحكومة، ولهذا فإن محاولة الحكومة الإجهاز عما بقي من مكاسب للطبقة العاملة كان كافيا وحده لأن يجعل إخوتنا في التعليم والصحة يضربون دفاعا عن هذا الحق.

وسنقاضي الحكومة أمام القضاء وأمام المنظمات الدولية عن كل الخروق. وفي نفس الوقت نثبت للجميع أن هذه الإجراءات لن تنال من قوتنا، سوف نضرب المثل الأسمى في التضامن. وكما قلت للمسؤولين، سوف نقتسم كسرة الخبز، وشربة الماء وسوف نشحذ سلاح التضامن لنواجه به كل مخاوف المستقبل.

ولا بد من الإشادة هنا بروح التضامن التي تجلت عند كثير من قواعدنا التبرع برواتبهم الشهرية كاملة، ونصف رواتبهم، وأقصى ما تسمح به ظروفهم المادية.

ويشرفني أن أعلن أن أول فوج سيدشن مدرسة تكوين الأطر للكونفدرالية الديمقراطية للشغل سيكون هو هذا الفوج الأول من المطرودين في التعليم والصحة الذين إن حرموا من تعليم أبنائنا سيكون عليهم غدا أن يتعلموا ويعلموا آبائهم وإخوتهم وستصبح ربوع المغرب على امتدادها ساحة الدرس والتدريس.

تحية نضالية وصمود الطلاب

لقد نددت الطبقة العاملة المغربية عبر مؤتمرات نقاباتها الوطنية، في مناسبات عديدة بقرار الحظر الصادر في حق الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. واليوم وبعد رفع الحظر نتيجة النضال الطلابي العادل والمشروع، ونتيجة تضامن ومساندة القوى الوطنية والتقدمية، فإن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تسجل وبكل فخر واعتزاز صمود الجماهير الطلابية المغربية. وتحيي لجنة التنسيق الوطنية لطلبة المغرب حليف طبيعي للطبقة العاملة المغربية، كما تؤكد بأن الطبقة العاملة المغربية بقيادة منظمتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تساند وإلى الأبد النضال  الطلابي العادل من أجل جامعة شعبية ديمقراطية، ومن أجل تحسين أوضاع الجماهير الطلابية.

مزيدا من الدعم للثورة الفلسطينية

تعرف قضيتنا العربية الأولى، قضية فلسطين منعطفا خطيرا حيث تمكنت الامبريالية الأمريكية وربيبتها الصهيونية بالركوب على النظام الساداتي لفرض معاهدة الاستسلام والخيانة على الشعب المصري هادفة بذلك إلى تبرير مخططها القاضي بضرب حركة التحرر العربية، وعلى الخصوص رأس رمحها الثورة الفلسطينية. وقد أظهرت الجماهير الشعبية والطبقة العاملة عندما استجابت لنداء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالتوقف عن العمل يوم 30 مارس يوم الأرض عن وعيها بالمرحلة الدقيقة التي تجتازها القضية الفلسطينية وعن مساندتها لثورتها الظافرة، ونحن إذ ندعو إلى المزيد من الدعم للثورة الفلسطينية طليعة التحرر العربي نؤكد بأن المرحلة الراهنة تقتضي تدعيم الوحدة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ووحدة القوى العربية التقدمية لمواجهة الإمبريالية والصهيونية والرجعية ومخططاتها الاستسلامية.

وبهذه المناسبة لا يفوتنا أن نؤكد من جديد على تضامننا المطلق مع حركات التحرر العالمية، ومع النضال العادل الي تخوضه الطبقة العاملة في العالم العربي وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وفي البلدان الرأسمالية.

وإننا نندد وبقوة بالهجوم الوحشي والسافر على حركة التحرر في افريقيا وبالانتهاك السافر للحريات النقابية في العالم العربي وما تعرضت له الحركة القابية في تونس والبحرين من تعسف واضطهاد، كما نشجب ما تعرضت له الطبقة العاملة في الشيلي وبلدان أمريكا اللاتينية من قمع وإرهاب.

إجراءات ترقيعية

لقد أعلن أخيرا السيد الوزير الأول عن مجموعة من الإجراءات تستهدف في نظر الحكومة تحسين وضعية العمال والمأجورين.

والكونفدرالية الديمقراطية للشغل إذ تسجل بأن هذه الإجراءات المعلن عنها ــ رغم هزالتها وطبيعتها الترقيعية التي تحافظ على استمرار ضمان مصالح الرأسمال الأجنبي والمحلي ــ هي إقرار بتردي أوضاع الطبقة العاملة واعتراف رسمي جديد بمشروعية المطالب التي خاضت النقابات الوطنية من أجل تحقيقها عدة نضالات في السنوات الأخيرة.

وإننا إذ نسجل خرق مسطرة الحوار والإعلان من طرف واحد عما سمي بأشباه الحلول وعدم عرض الإجراءات على الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فإننا نؤكد للمسؤولين الحكوميين بأن تجاوز الأزمة لا يقتضي فقط الاعتراف بها بل يعني إيجاد حلول حقيقية بتجاوز هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة المعترف بها رسميا.

والكونفدرالية الديمقراطية للشغل إذ تؤكد من جديد بأن الحوار ليس غاية في حد ذاته وليس مناجاة، بل وسيلة من وسائل التدارس قصد الاستجابة لمطالب العمال والمأجورين، فإننا نعلن بأن أي حوار لم توفر شروطه بإطلاق سراح المعتقلين النقابيين وتوقيف كل المتابعات، وإرجاع المطرودين، والكف عن تضييق الخناق على الحريات النقابية، هو حوار غير جدي ولا مسؤول ولا يستهدف فعلا إلى تصفية الجو النقابي لاستمراره، في ظروف أحسن، وليكون فعلا حوارا في مستوى الظرف التاريخي الذي تعيشه بلادنا.

إخواني العمال، أخواتي العاملات

إن الحل الحقيقي لتحسين أوضاع الطبقة العاملة هو الاستجابة للمطالب وفق الحد الأدنى الذي تقدمت به الكونفدرالية في مذكرتها الموجهة للحكومة.

والكونفدرالية الديمقراطية للشغل إذ تتشبث بمطالب الطبقة العاملة المغربية ومطالب كافة المستخدمين والموظفين، تؤكد أن النضال المنظم والمسؤول هو الطريق الوحيد لتحقيق مطالبنا العادلة والمشروعة ما دام الحوار قد أفرغ من محتواه الحقيقي، وما دامت الحكومة لم توفر فعلا شروطه. لهذا نؤكد أنه لا مساومة ولا تنازل عن مطالب الطبقة العاملة المغربية، ولا مهادنة مع البورجوازية والإقطاع، وإنا على العهد أيتها الجماهير العمالية.

عاشت الطبقة العاملة موحدة . عاشت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل”.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *