بقلم عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


لم يكن القادة في الجزائر ولا في إسبانيا قبل عامين يتوقعون أن المغرب سوف ينعطف نحو التصعيد على الأقل بالشكل الذي تظهر عليه ديبلوماسيته في هذه الأثناء، وبالصلابة التي لا تتوانى الرباط عن تعزيزها بصفقات من الأسلحة المتطورة وتحالفات استراتيجية خارج المألوف.
قليل من المتتبعين يتذكرون زيارة وزير الخارجية الجزائري السابق صبري بوقادوم إلى مدريد في بداية مارس 2020، وتحديدا الندوة الصحفية التي أجراها مع نظيرته الإسبانية ماريا أرانتساتسو أرانتشا غونثاليث لايا، عندما دعته إلى الإدلاء بتصريحه في نهاية الاجتماع وقال لها “أشكرك يمكنك التحدث عوضي فنحن واحدة”.
كان الجانبان الجزائري والإسباني خططا لإضعاف المغرب إلى درجته دحره، وما خفي كان أعظم.
لم يسبق في تاريخ الديبلوماسية أن تنحى وزير خارجية بلد ما عن مكانه لصالح وزير خارجية بلد آخر، لا قبل ولا بعد وزير خارجية الجزائر صبري بوقادوم. وعندما فعل ذلك كان مطمئنا إلى درجة كبيرة بوجود إسبانيا إلى جانب الجزائر في الضغط على المغرب في قضية الصحراء.


وصلت ثقة النظام الجزائري بالدور الذي تلعبه إسبانيا في دعم جبهة البوليساريو إلى إرسال زعيم الجبهة المطلوب للعدالة في إسبانيا في رحلة علاج إلى هذه الأخيرة. ووصل اعتقاد الطرفين الجزائري والإسباني معا إلى حد استصغار المغرب بجعله يقبل الصفعة ولا يصدر عنه أي رد فعلي. غير ان توقعهما كان في غير محله.
دارت عقارب الساعة بسرعة غير متوقعة، وكانت جائحة كورونا التي بدأت في الانتشار فرصة للمغرب في قلب الطاولة على إسبانيا فأغلق حدوده البحرية والجوية، بما فيها الحدود المسماة برية على معبر سبتة ومليلية المحتلتين.
خارج الظروف التي فرضتها جائحة كورونا، يمكن القول إن المغرب فرض حصارا جزئيا على إسبانيا من الجهة الجنوبية، وهو ما تأكد بشكل واضح عندما تم رفع القيود عن التنقل بين الدول، فيما واصل المغرب إغلاق موانئه في وجه الملاحة الإسبانية.


تضرر قطاع النقل البحري الإسباني بشكل غير مسبوق، وبالتزامن مع التصعيد الدبلوماسي كانت الرباط سحبت سفيرتها من مدريد بسبب استقبال زعيم جبهة البوليساريو وبهوية مزورة.
دفعت الحكومة الإسبانية ثمنا باهضا في هذه العملية، وما تزال تعاني من تبعاتها، خاصة بعدما هوى النظام الجزائري في مستنقع التصعيد ضد المغرب، سحب سفيره من الرباط، واغلق الأجواء في وجه الطيران المغربي، وأرسل تعزيزات عسكرية إلى الحدود، وتحرش بأراضي مواطنين مغاربة في الجهة الشرقية ضواحي مدينة فكيك، وكال اتهامات كثيرة إلى المغرب من قبيل إضرام النار في غابات منطقة القبايل، وقتل سائقين جزائريين، والمشاركة في مؤامرة إرهابية إلى آخره.
في خضم التصعيد الجزائري ضد المغرب، لم يجد النظام في هذا البلد الذي يخوض فيه القادة العسكريون صراعا ضد الشعب للسيطرة على السلطة، من وسيلة للضغط على الرباط بعد كل ما فعله، سوى إغلاق انبوب الغاز الذي يمر عبر أراضيه ويصل إلى إسبانيا، اعتقادا منه أنه سيغرق المغرب في الظلام، وسيغلق مئات المصانع، ويعرص آلاف المغاربة لدالى البطالة والجوع.
تبين بعد إغلاق انبوب الغاز أن اللكمة الجزائرية الموجهة إلى المغرب أصابت وجه الحكومة الإسبانية وارتدت على النظام الجزائري، فتقلصت واردات إسبانيا من الغاز وتراجعت عائدات الجزائر منه. ونشبت حرب سياسية بين الطرفين وصلت شظاياها إلى الاتحاد الأوروبي.
راهن الجاران الجزائري والإسباني على تغيير الولايات المتحدة موقفها من الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، وانتظرا معا قدوم الرئيس الجديد جو بايدن أملا أن يعكس موقفه العدائي لسلفه دونالد ترامب تغييرا في موقفه من قضية الصحراء، لكن الإدارة الجديدة في البيت الأبيض مارست أسلوبا دبلوماسيا أشبه ما يكون بسباحة الثعبان في الماء، حيث وضعت يدها في يد الامم المتحدة ومن خلال مجلس الأمن الدولي، الذي أصدر القرار 2602، يؤكد فيه على الحل السياسي من خلال التفاوض ويعتبر الجزائر طرفا في النزاع ويدعوها إلى المشاركة الجدية في حصة الموائد المستديرة.
مباشرة بعد صدور قرار مجلس الأمن، قالتها إدارة بايدن بصراحة “الجزائر طرفا في نزاع الصحراء “.
هذه التطورات أعطت مفعولها على المستوى الاوروبي، وفي ما يشبه التناغم مع ما جاء في الخطاب الملكي بمناسبة الذكى 46 للمسيرة الخضراء، “لا علاقات تجارية أو اقتصادية مع من لا يحترم وحدة وسيادة المغرب وعلى جميع اراضيه”، طوت ألمانيا صفحة المستشارة أنجيلا ميركل مع رحيلها، وأعلنت تأييدها للحل السياسي لقضية الصحراء في إطار مشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب.
لم تغير الإدارة الأمريكية موقفها، ولم يغير المغرب وزير خارجيته ناصر بوريطة، فيما إسبانيا والجزائر غيرتا وزيريهما في الخارجية.
تريد الرباط من مدريد تغيير موقفها من نزاع قضية الصحراء، وهو ما يتردد الساسة الإسبان بشأنه لعلمهم أن المغرب بعد إغلاق ملف الصحراء سيفتح ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة.
من جانبه قطع المغرب خيط التفكير على الإسبان في هذا الموضوع وأشار مسبقا إلى المدينتين السلبيتين والجزر المحتلة، وبعث إلى القادة الإسبان رسالة مفادها “علاقات طبيعية مقابل بحث كل الملفات”.
إلى حدود كتابة هذه السطور، يرفض المغرب الرجوع إلى زمن ما قبل كورونا، وسواء تعلق الأمر بالجانب الدبلوماسي أو العسكري، يرسل المغرب من حين لآخر إشارات تبقي كل الاحتمالات ممكنة.
سواء تعلق الأمر بإسبانيا أو بالجزائر، فإن خيارات المغرب حتى هذه اللحظة تؤكد أن أفضل وسيلة هي إخراج الحية من الجحر وحشرها في زاوية ضيقة، وهو ما تأكد للنظام الجزائري وهو يعد العدة لاستضافة القمة العربية فإذا به يكتشف نفسه مكشوفا ومحاصرا بمواقف مناهضة لموقفه من المغرب.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *