عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


ألح علي متتبعون وأصدقاء بضرورة التطرق إلى الوضع الداخلي في البلاد، وتحويل عدسة الكاميرا إلى الزوايا المظلمة في المجالات التي تعاني الفشل في الوطن. وقال بعضهم “نسجل بافتخار ما تحققه الدبلوماسية المغربية هذه الأيام من انتصارات، لكن نخجل من بعض الأوضاع الداخلية المرتبطة بالفقر والفساد والرشوة واعتقال صحافيين واستغلال النفوذ”.
التعليق على هذه الوضعية لا يلزمني، لأنني لا أمثل أي مؤسسة في الدولة ولا أنتمي لأي تيار سياسي. لكن من باب التوضيح للرأي العام، وحقه في معرفة ما يجري وتقدير الوضعية التي يعيشها المغرب والمغاربة في هذه المرحلة، وفي إطار الرأي الشخصي المتواضع، الذي قد يتفق معه البعض ويعارضه البعض الآخر، أعيد التأكيد على أن هناك دائما “النصف المملوء من الكأس وفوقه النصف الفارغ”.
فعلا، يسير المغرب بسرعتين مختلفتين، وهذه حقيقة لا غبار عليها، ففي الوقت الذي تحقق البلاد التقدم في أوراش كبرى ومهمة، تظهر أعطاب كثيرة من نواحي أخرى، وما يزكي هذه الحقيقية الاعتراف بها من قبل أعلى سلطة في البلاد بقول الملك محمد السادس في إحدى خطبه “أين الثروة”، ولكنه قال أيضا في خطاب آخر “نحن نعرف من نكون، ونعرف إلى أين نسير”.
ليست هناك ازدواجية في الخطاب، وليس هناك أي تناقض، كل ما هناك بلد يجنح إلى مفارقة عالم من الضعف والتخلف والتبعية، وهو عالم مخيف له جذور ضاربة في التاريخ منذ الاستعمار – جذور تم سقيها في مرحلة من تاريخ البلاد بممارسات فاسدة، أبطالها فاسدون في الإدارات والأحزاب والمؤسسات، وما زالت محاولات استئصالها مستمرة مع استمرار التعتر أيضا.
إن الوضعية التي يمر منها المغرب اليوم تشبه لحظة الفلق، وهي الساعة التي يتنفس فيها الصبح وينشق من ظلمة الليل، ليس هناك خيوط واضحة للشمس، ولا سواد حالك، يتلمس البلد طريقا جديدا، وبطبيعة الحال لكل طريق جديد مفاجآت قد تكون سارة وقد تكون غير ذلك.
من هنا يمكن أن نبرهن على فطنة الجهات العليا في البلاد بالدعوة إلى إعداد تقرير يتعلق بالنموذج التنموي الجديد، كما أمر بذلك ملك البلاد في يوليوز 2019، باعتماد الوضوح والشفافية وتسمية الأمور بمسمياتها. هذه المبادرة في حد ذاتها تشكل اعترافا بالجزء الفارغ من الكأس وتسعى في الوقت نفسه إلى ملء الكأس برمته.
السؤال الوجيه، هل سينجح المغرب في تطبيق نموذج تنموي يكون بمثابة العفو الشامل على المغاربة من الفساد والفقر والبطالة وسوء التسيير وتبديد الثروات؟
ليس هناك من يمكلك جوابا قطعيا لهذا السؤال، لأن نجاج هذا النموذج لا يرتبط فقط بمدى جودته، وإنما بكفاءة وإخلاص من تقع المسؤولية على عاتقهم لتنفيذ مضامينه، وهنا يجب الرجوع إلى عنصر مهم في مجال الحكامة، وهو العنصر البشري، فالمغرب لا يفتقر إلى الكفاءات، وإنما ينقصه حسن توظيف الكفاءات، وينقصه كذلك ربط المسؤولية بالمحاسبة.
يجمع خبراء التنمية على أن الفساد هو العدو “رقم واحد” للتقدم، وقد أثبتت التجربة في العديد من الدول أن نجاح المخططات يعتمد على ثلاث مستويات أسياسية وهي:
1 جودة وفعالية المخطط
2 كفاءة وإخلاص العنصر البشري المكلف بتنفيذ المخطط
3 المراقبة والتتبع والمحاسبة
في حالة المغرب يسجل بعض التعتر على هذه المستويات، هناك نظام إداري قديم ومتجاوز يعتريه التعقيد، ويسيطر عليه عنصر بشري في بعض الحالات تنقصه الكفاءة، وفي حالات أخرى يسوده الفساد، وأحيانا يجمع بين عدم الكفاءة والفساد، وفي النهاية لا تكون هناك محاسبة يتلوها العقاب.
في حالة المغرب، تقرر أن يكون الإصلاح بمشاركة جميع الإدارات والمؤسسات ويكون عبر الاختيار الديموقراطي، ونجحت البلاد خلال العشرين عاما الماضية في إجراء انتخابات نزيهة أقل ما يمكن أن يقال فيها انه لم يكعن في شرعيتها ولم تتهمها اي جهة بالتزوير، وكان هناك تعديل في الدستور قبل 10 أعوام، أسفر عن تغييرات مهمة، لكنها لم ترق إلى تطلعات المغاربة، وأصبحت المقولة السادئدة “إن الأوراش الكبرى أوراش ملكية” ولم يعد من إنجازات للحكومات المتعاقبة ما تنسبه إليها باستثناء المآخذات على بعض وزراءها في تحسين أحوالهم.
في حالة المغرب، أثبتت الأزمة المترتبة عن جائحة كورونا أن جزءا كبيرا من النجاح في إدارة البلاد إن لم يكن كله يعود إلى الملك، وتمثل ذلك في العديد من المبادرات سواء ذات الطابع الصحي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
لكن هذه الوضعية قد لا تعجب الملك نفسه، فهو في مناسبات كثيرة كان معارضا أكثر من المعارضة، وعبر عن استيائه من الطريقة التي يتعامل بها مسؤولون مع المواطنين، وانتقذ سوء التسيير في مجالات كثيرة.
نحن في دولة ويجب أن تكون جميع مؤسساتها فاعلة، وهذا أمر يقع على مسؤولية الجميع، إن المغرب رهين بنظام الديموقراطية، ولتكون له حكومة ناجعة يجب أن تكون منبثقة من برلمان قوي، والبرلمان القوي يجب أن يكون نتيجة انتخاب كفاءات سياسية مشهود لها بالصدق والنزاهة، وانتخاب تلك الكفاءات رهين بدور الأحزاب السياسية في ترشيح الأكثر كفاءة والأكثر مصداقية.
إن العملية تشبه إلى حد بعيد البناء التسلسلي من الأسفل إلى الأعلى، والخلل في أي طابق يعرض البناء إلى الانهيار، حيث لا يمكن لنا أن نبني بلدا ديموقراطيا تسيره مؤسسات فاعلة بواسطة عناصر فاسدة أو عناصر تنقصها الكفاءة.
تخليق الحياة السياسية مسألة مهمة وضرورية في بناء دولة قوية، ولا يوجد خلاف لهذا الرأي إلا بالنسبة للذين لا يريدون أن يكونوا ديموقراطيين، قد يعتبر البعض هذا الكلام رصاصة في مقتل الأحزاب وتحميلها المسؤولية في إنتاج نواب ومسؤولين خيبوا ظن المغاربة، ولكن الكثير من المغاربة يصنعون الفساد في يوم التصويت وينتخبون بخلفيات مالية أو عقائدية لا علاقة لها بصلاح المرشح من فساده.
طريق الإصلاح ليس سهلا ولن يكون كذلك، لأن المعظلة توجد في مفاصيل المجتمع بأسره، ويستحسن استئصالها بإصلاحات في منظومة التربية والتعليم والثقافة وفي الاحزاب السياسية نفسها وفي الجمعيات والمنظمات والإعلام، المجتمع بحاجة إلى قيادات وطنية في كل المجالات.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *