الخروج الصعب من زمن كورونا
بقلم: عبد الهادي مزراري
يتساءل جمهور الناس متى ينتهي الحجر الصحي؟ وهذا سؤال يسترعي انتباه العموم دون استثناء، لكن ما يشغل بال المسؤولين وأصحاب الأموال والأعمال هو كيف ينتهي الحجر الصحي؟ وبأي تكلفة اقتصادية؟


لا يختلف إثنان في ان الخروج من الحجر الصحي سيكون أصعب من الدخول فيه، خاصة مع استمرار الخوف من موجة ارتدادية لانتشار فيروس كوفيد 19، في ظل انعدام وجود لقاح مضاد له حتى هذه الساعة.


امر بديهي أن نقلق جميعا من الوضع الراهن، وينتابنا أيضا الخوف من المستقبل بسبب عدم وضوح الرؤية، خاصة بالنسبة لمئات وآلاف الشركات والمقاولات التي تعرضت للإفلاس نتيجة توقف أنشطتها سواء بشكل جزئي او بشكل كلي.
لن يكون من السهل إعادة تدوير عجلة الانتاج بين عشية وضحاها، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار ارتباط نسبة كبيرة من أنشطتنا الاقتصادية بالعلاقات مع دول اخرى، وهي تمر بدورها بالمرحلة نفسها من الركود الذي قارب ثلاثة اشهر بلا حركة ولا نشاط.
ثمة قاعدة لا يجب ان نغفلها، وهي أن اي تطور في مسار بلادنا الاقتصادي لن يكون بمعزل عن التوجه الاقتصادي العالمي، وهذا امر مهم لا بد من التعامل معه بمسؤولية واحترافية.
نعرف جميعا ان الفترة التي سبقت زمن كورونا تميزت بسيطرة الصين على المشهد الاقتصادي العالمي سواء من خلال التجارة العالمية، او الذكاء الصناعي، او اقتصاد المعرفة، او حيازة أضخم سيولة نقدية من العملات الصعبة.
هذا الوضع جعل بلادنا جزءا من النظام العالمي الذي تكيف مع وجود قوى اقتصادية كبرى مثل الشريك الاوروبي، او الحليف الامريكي التقليدي، وأيضا العملاق الصيني، وقد استفاد اقتصادنا نسبيا من التعامل مع هذه القوى بقاعدة عدم وضع كل البيض في سلة واحدة.
اليوم، ومع الخيارات المحدودة بعد زمن كورونا، هل سيكون مسموحا للمغرب بتنويع شركاءه الاقتصاديين كما يشاء؟
سياسيا، لم يعد مسموحا للدول بالوقوف في خط الوسط، ونحن نشهد بداية انشطار دولي إلى محورين هما محور الولايات المتحدة الامريكية ومحور الصين.
يظن البعض ان هذه الثنائية غير ممكنة، او ربما مبالغ في توقعها، وهذا ظن خاطئ، لأن المعركة بدأت قبل ان يعلن عنها سواء في واشنطن او بكين، فضلا عن ان الولايات المتحدة شرعت منذ اسابيع في رسم الخطوط الحمراء لحلفائها التقليديين، ووجهت رسائل تحذير صريحة لدول مجلس التعاون الخليجي، بوقف وإلغاء كل المعادات ذات الطابع الاستثماري مع الصين.
كما بدات دول حليفة لواشنطن في اوروبا وتحديدا بريطانيا وفرنسا في التهجم على الصين والدعوة للحد من التعامل معها اقتصاديا وعلميا.
من أستراليا ايضا، صدر الخبر المفاجئ برفض السماح لنحو 40 ألف طالب صيني بالعودة للدراسة في الجامعات والمعاهد الأسترالية.
أضف إلى ذلك، قرار الحكومة اليابانية بحظر استخدام كافة الأجهزة الإلكنرونية الصينية في مؤسسات الدولة، وفي القطاعات التي لها صلة بالمعلومات الحساسة للمواطنين واوضاعهم المالية.
من كل ذلك، هل سيكون المغرب حرا في اختيار شركاءه الاقتصاديين؟ ام انه سيكون ملزم باختيار الانضمام إلى محور دون الآخر؟ وما هو المحور الذي سيختار الانضمام إليه؟
حتى لا يضيع تفكير الراي العام في إيجاد الاجوبة على هذه التساؤلات، نختصر الطريق، ونكشف مسبقا عن توجهات المغرب الخارجية في زمن ما بعد كورونا.
في ظل اي انقسام دولي بين الولايات المتحدة الامريكية واي قوة أخرى في العالم، لا يمكن ان نجد المغرب إلا في صف الولايات المتحدة.
بعض الأشخاص سبعتبرون هذا التنبؤ مبالغ فيه، او هو مجرد تكريس لوضع قديم جديد، او حتى ان البعض سيقول ربما لن يكون المغرب مضطرا للاصطفاف في هذا الجانب اوذاك.
تجنبا للتكهنات وتفاديا للسقوط في كثرة الاحتمالات، يعتبر المغرب نقطة ارتكاز استراتيجية بالنسبة لولايات المتحدة الامريكية في افريقيا، خاصة بعد الاسثمارات الكبرى التي قام بها المغرب في هذه القارة ولم يحن الوقت لقطف ثمارها.
منذ فترة طويلة، تنظر واشنطن الى ان القارة الافريقية لم تعد مسرحا للنشاط الاوروبي وان الصين انتزعت الكعكة من حلفاءها واصبحت تشكل المستثمر العالمي الاول في القارة السمراء.
هذا الوضع في تقدير الامريكيين، يجب ان ينتهي، وان واشنطن بحاجة الى حلفاء محليين قادرين على المسك بزمام الامور الاقتصادية بعد طرد الصين من افريقيا.
من جهة اخرى، ماذا يمكن ان نقول بشأن المغرب في علاقاته الاقتصادية مع الصين؟ هل حقق استفادة من النمو الاقتصادي والتجاري الصيني؟ ام ان قطاعاته الاقتصادية تضررت بسبب منافسة البضائع الصينية؟
لا نريد ان تكون عملية التقييم هي نقطة النهاية، بل يجب ان يكون المغرب براغماتيا ويحول نقط الضعف الى نقط القوة ويستغل كل الظروف الممكنة، لتأهيل نفسه لدور اكثر طلائعية على الصعيد الاقتصادي الإقليمي.
هنا يجب استغلال الفرص التي تمنحها جائحة كورونا، وان اي قطيعة إقليمية او دولية للصين يجب ان تعيد الحياة لمقاولاتنا الوطنية في صناعات النسبج والادوات المنزلية والصناعات الغذاية فضلا عن الصناعات الاخرى التي اكتسبنا فيها مهارات وقدرات. خاصة ان العالم بصدظ الدخول في نوع جديد من النظام الحمائي لاقتصاديات الدول.
وقوفنا مرة اخرى، إلى جانب الولايات المتحدة، لا يعني انبطاحنا لقوة عالمية يتمنى لها البعض السقوط، انما هو موقف براغماتي يخدم مصالحنا الاستراتيجية، ويجعلنا في نسق تاريخي مستمر، شريطة ان يكون الموقف المغربي مشروطا بالتزامات سياسية امريكية واضحة لفائدة المغرب ودوره الاقتصادي والامني في القارة الأفريقية ومحيطه الاقليمي.
إن المغرب قدم النموذج المثالي في محاربة الارهاب، وإرساء الامن في منطقته، وساعد الكثير من بلدان قارته بما توفر لديه من امكانيات، ونجح في إثبات فعاليات مؤسساته في زمن الكورونا، وسيكون من المجحف ضياع كل هذه الجهود إذا لم يتمكن من التموقع بشكل جيد في النظام العالمي الجديد.
طابت اوقاتكم

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *