رضوان رزقي

من النعم التي من الله بها على المغاربة نعمة النظام الملكي الذي يقوم على الولاية بالعهد؛ ويعد ذلك من أسباب توحيد المغاربة ودوام نعمة الأمن والاستقرار كما هو مشاهد ومعروف عند الجميع، والولاية بالعهد خير من الانتخاب السائد لدى كثير من دول الجمهوريات اليوم، والذي غالبا ما يكون سببا في جعل هذه الأخيرة أقل أمنا واستقرار في الجملة من تلك الدول التي تعتمد على الولاية بالعهد، وذلك باستقراء التاريخ الإسلامي الأول الذي تميز بالاستقرار في أول نشأته وكان يعتمد على الولاية بالعهد؛ فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم عهد إلى أبي بكر إيماءاً أو تصريحاً ليكون خليفة المسلمين من بعده، بقوله صلى الله عليه وسلم: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، ثم إن أول من عهد بالولاية من بعده لمن بعده في تاريخ المسلمين: أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. وقد شرع الله لنا اتباع سنته بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»؛ فعهد بالولاية من بعده لعمر رضي الله عنه وأرضاه، ثم عهد عمر بالولاية من بعده لستة نفر من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يختارون لها أحدهم فاختاروا عثمان رضي الله عنه وأرضاه ثالث الخلفاء الراشدين المهديين.

ومعاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه وأرضاه) أحد كبار الصحابة وفقهائهم ومحدثيهم، وولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة وحي الله إليه، وولاه الخلفاء الراشدون الأُوَل قيادة الجيوش وإمارة المسلمين، ونزل له الحسن بن علي (رضي الله عنه وأرضاه) عن الولاية فاجتمعت عليه كلمة الأمة؛ فهو أول وخير الخلفاء من قريش بعد الخلفاء الراشدين، وهو من أعظم الفاتحين في آسيا وأفريقيا وأوروبا،                                         
ورأى معاوية (رضي الله عنه) من فقهه واتباعه وثاقب رأيه: العهد إلى ابنه يزيد رضي الله عنه وحري به ألا يفعل ذلك إلا حرصاً على المصلحة العامة للأمة لما يعلم من ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمانته على الوحي وثقة الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُوَل بأمانته على إمارة المسلمين، ثم ثقة الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين بأمانته على الخلافة نحو (20) سنة.

وفي عهده فُتِحت بخارى وخوارزم ومغربنا الأقصى. (أعلام الزركلي). ولم يُتّهم في اعتقاده ولا عبادته، فكان أن اجتمع الناس عليه حتى مات رحم الله الجميع.

وهذا كتاب الله العظيم يقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16]، ومما ورث سليمان من أبيه داود: الملك، صلوات الله وسلامه عليهما وعلى جميع أنبيائه ورسله، وقال الله تعالى عن داود: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ}[البقرة: 251] وقال الله تعالى عن طالوت قبلهما: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247] وكان من جنده داود، وقال تعالى عن آل إبراهيم عامة: {وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54] صلوات الله وسلامه عليهم، والله يؤتي ملكه من يشاء.

وكان الأنبياء يخلفهم الأنبياء «كلَّما مات نبيٌّ خلفه نبيٌّ»، وكان الملوك – مثل كل ولد آدم – يخلف بعضهم بعضاً كلما مات ملك خلفه ملك، والمَلِك مؤتمن على مُلْكه، ومنه توليته الأمراء في حياته ومن يلي الملك بعد موته منذ قال الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، (أي: قوماً [آدم وذريته] يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام: 165]، وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [النمل: 62] (تفسير ابن كثير)، وقال تعالى عن قوم هود: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69]، وعن قوم صالح: {خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ} [الأعراف: 74].

وكان الملوك يعهدون بالأمر الذي استخلفهم الله فيه إلى من بعدهم في كل عصر إلا في حالات قليلة ربما بدأت في عهد الوثنية اليونانية ثم في عهد الثورة الفرنسية العلمانية الغاشمة ومن تأسى بها في أوروبا وأمريكا في القرنين الماضيين ثم في بلاد العرب في القرن الأخير (ممن تحول إلى النظام الاشتراكي بخاصة في أسوأ أحواله).

ولا يزال أكثر دول وإمارات أوروبا الغربية مَلَكِية وراثية، ومنها إسبانيا التي أعادها (فرانكو) إلى النظام الملكي بعد تجربته الخاسرة الخروج عليه. ولا تزال اليابان وبعض الدول الآسيوية ثابتة على النظام الملكي الوراثي.

فاللهم أدم علينا نعمة النظام الملكي الوراثي ووفق اللهم ولي أمرنا لما فيه رضاك وصلاح الدين والدنيا. والحمد لله أولا وآخرا.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *