هل الصحراء مقابل فلسطين؟


بقلم: عبدالهادي مزراري: شؤون الاستثمار


أثار قسم من الرأي العام وبعض وسائل الإعلام ضجة حول الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، وصدرت أحكام مسبقة على أن الإدارة الأمريكية أقرت بمغربية الصحراء مقابل اعتراف المغرب بإسرائيل وقبوله التطبيع معها.
أول من أطلق هذا الحكم النظام الجزائري، وروجت له وسائل الإعلام الجزائرية تحت عنوان “الاحتلال الصهيوني في فلسطين يبارك الاحتلال المغربي في الصحراء“.


وتناسلت أيضا تعليقات منددة من جهات تنصب نفسها معارضة للتطبيع مع إسرائيل، بعضها يلتحف الوشاح الإسلامي، وبعضها الآخر ينتمي إلى تيارات قومية ويسارية.
كما عبر قسم من الرأي العام عن موقفه بين معارض ومؤيد، من خلال تدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي.
وحل سياسيون ومحللون مغاربة على قنوات فضائية يدلون بشروحات في الموضوع، وكان موقف الخارجية المغربية واضحا يؤكد على أن “الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء ليس عملية مقايضة للتخلي عن القضية الفلسطينية، وبالتالي فإن أي علاقة مع إسرائيل هو موضوع آخر“.
كان الرد المغربي الرسمي سيكون كافيا ومقنعا، لكن حرب التصريحات المناوئة للمغرب تستمر، والمقلق فيها جدا أنها تصدر عن اشخاص مغاربة، أما وإن صدرت عن أبواق النظام الجزائري، فلها ما يشرحها، لأن للعدو طريقته الخاصة في التقليل من انتصارك عليه.
كنت سأنأى بنفسي عن الخوض في هذا الموضوع، ولكني فوجئت بسيل من الأسئلة بعد مشاركتي في البرنامج الحواري “مع الناس” في موضوع “ الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء” الذي بثته قناة العيون مساء الجمعة الفارط.
هناك من يسأل لكي يعرف، هل فعلا قايض المغرب قضية فلسطين بقضية صحراءه؟ وهناك من يقدم أسئلة استنكارية، اعتقادا منه انه فهم وعرف واستنتج وحكم. وهناك فريق آخر يندد بشكل واضح ومباشر بقرار المغرب إزاء إسرائيل، وحتى بالقرار الأمر يكي إزاء المغرب.
هناك طريقة بسيطة للرد على هؤلاء.
في حالة أعداء المغرب لن ينفع معهم شرح أو تحليل، هم لا يملكون إلا قولهم هذا، لتبرير هزيمتهم ولملمة مواقف مؤيدة لهم بعدما انفض الجميع من حولهم.
اما في حالة من يسألون أسئلة استنكاربة، “هل الصحراء مقابل فلسطين؟” أفضل أن تكون لديهم الشجاعة ويعبروا عن موقفهم بصراحة، فالحوار الصريح الذي يبنى على المنطق والبرهان تكون له نتائجه الإيجابية.
أما بالنسبة للذين يريدون ان يعرفوا ماذا حدث؟ فمن حقهم أن يفهموا كل كبيرة وصغيرة تتعلق بهذا الموضوع.
قبل البدء في شرح ما يحدث، أفضل أن ينتبه الرأي العام ليس في المغرب فقط، ولكن في كل البلاد العربية والإسلامية إلى الآية الكربمة التي يقول الله فيها عز وجل “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ“.
كثير من الناس يتوسعون في شرح الخبر ولا يعرفون المبتدأ، يظنون أنهم على حق، وأن ما لديهم لا يأتيه الباطل، فينغمسون في شرح الخطأ والعمل به والدفاع عنه حتى يبلغون النهايات المأساوية.
بالنسبة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على صحراءه، هناك أربعة نقاط أساسية تحسم الموضوع:
1 – هو ثمرة جهد دبلوماسي مغربي يمتد لعقود من الزمن، وهذا أمر ليس عليه غبار، فالمغرب عزز علاقاته بكل ما يجعل الولابات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى في العالم إلى صفه في قضية وحدته الترابية.
2 – الولايات المتحدة الأمريكية تؤمن بالمصلحة كعنصر دائم في السياسة، وأي مقارنة ستجريها بين المغرب الموجود في الصحراء سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وبين الجزائر المنهارة سياسبا واقتصاديا والتي تدافع عن البوليساريو من فوق أراضيها في مخيمات متشرذمة، طبعا ستختار بكل براغماتية ان تضع يدها في يد المغرب وليس مع الجزائر.
3 – للولايات المتحدة دائما قاعدة تعمل بها وتقوم على التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى، فهي تنظر إلى المغرب منذ سنوات على أنه نجح إلى حد بعيد في بناء مقومات الشراكة الاسترتيجية التي تؤمن بها وتقوم على التعاون الامني والسياسي والاقتصادي، فالمغرب نحج في نظر الامريكيبن ما فشلت فيه دول أخرى، بل تطور ليصبح مصدر انتاج المعلومات الامنية والاستراتيجية حتى بالنسبة لدول كبرى في أوروبا وآسيا، وتحول إلى الدولة النموذج في إفريقيا.
4 – هذا المستوى الذي وصل إليه المغرب بعد سنوات من العمل تزامن من التوجه الأمريكي إزاء إفريقيا، حيث تقتضي المصلحة الأمريكية تركيز الاهتمام على القارة السمراء، التي فقد فيها الحليف الأوروبي مكانته لصالح الصين وروسيا وتركيا.
بطبيعة الحال لن تجد الولايات المتحدة بدا من تعزيز تحالفها مع المغرب، وهذا ما حدث بالضبط لإعلان العصر الجديد الأمريكي في إفريقبا، وهو عصر ينبض بالمصالح الاقتصادية.
هذه النقط الأربعة تشكل مجتمعة سببا وجيها للاهتمام الأمريكي بالمغرب وتفسر اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء في خطوة سبقتها بسنوات الكثير من القرارات الامريكية من قبيل التوقيع بتمويل مشاريع اقتصادية وبرامج اجتماعية في الأقاليم الصحراوية.
الآن، ننتقل إلى قرار المغرب بإعادة التواصل مع إسرائيل، وهو القرار الذي يزعم البعض أن يكون مصدر ا لربط هذا بذاك.
من هنا سنزيح الستار عن بعض المعطيات، وندخل مباشرة في القضية الفلسطينية، ونطرح السؤال من تخلى عن هذه القضية التي توصف قولا ولا فعلا على أنها القضية المركزية للأمة العربية؟
وهل هناك وجود فعلي وحقيقي للأمة العربية؟
أولا: إن من تخلى عن القضية الفلسطينية، هم أولئك الذين أضعفوا البلاد العربية، وتسببوا في تمزيقها من الداخل ونصبوا العداء لإخونهم العرب، وكسروا العظم بدعمهم الانفصال واعلانهم الحروب وحشروا انوفهم بالكيد في شؤون الجار، فلا تركوا ودا ولا وحدة، ولعنة الله عليهم إلى يوم الدين.
ثانيا، من المضحك المبكي أن من يدعي الدفاع عن القضية الفلسطينية هم أول من أساء إليها، واليكم بعض الامثلة.
بعض الحكام القوميين، ولكي نكون واضحين، نبدأ مع الراحل جمال عبد الناصر الذي رفع شعار “حرب وجود لا حرب حدود“، بين قوسبن (العرب لا يجاريهم أحد في الشعرات)، انتهى به الامر بهزيمة نكراء ضاعت بسببها القدس واجزاء كبيرة من فلسطين. كما تسبب الرجل في إثارة النعارات في الدول العربية أضعفت الانسجام العربي ودمرته إلى درجة الصفر، تدخل في اليمن وقسمه إلى دولتين، هاجم النظم الملكية وجعلها عدوة في البلاد العربية، دعم انقلابات في ليبيا والجزائر وسوريا.
إلى جانب جمال عبد الناصر، هناك معمر القذافي الذي يحفل سجل أقواله بالوحدة العربية والقضية الفلسطينية ومعاداة اسرائيل، فيما أفعاله مزقت الساحة العربية ونشرت الحروب ودعمت المتمردين وكانت نتائج حكمه كارثية بكل المقاييس.
كذلك الرئيس الجزائري الراحل الهواري بومدين الذي كان ادعى القومية ونصب العداء للاستعمار فيما تجسدت افعاله في شن الحرب على المغرب وإيواء المرتزقة والاسهام المبكر في نسف أي وحدة مغاربية محتملة.
هذه نماذج من القوميين الذين رفعوا شعار قضية فلسطين، وأسروا بها قلوب الملايين المغفلين.
هناك أيضا، فريق آخر من اللشحاتين السياسيين، الذين ركبوا القضية الفلسطينية من جانبها الديني، وهم الأسلاميون، الذين لا يرون اي صواب في غير ما يصيبون، ويتخذون من معاداة إسرائيل شعارا مربحا في سوق السياسة، يبرمجون المهرجانات الخطابية والمسيرات، وينظمون القصائد، ويسافرون من حين إلى آخر إلى غزة، ويلتقطون الصور من هناك لتعزيز رصيدهم من العروبة والإسلام.
مقابل ذلك، نرى ان المغرب ومنذ عهد الحسن الثاني رسم خطا واضحا لسياسته في التعامل مع القضية الفلسطينة، وهو الدفاع عنها من باب الحوار، لأن المغرب يعلم جيدا أن العرب لن يكسبوا حربا ولن يحرروا أرضا، وكل ماهم قادرون على فعله هو تدمير بعضهم البعض.
بفضل الحوار والتفاوض استعاد محمد انور السادات شبه جزيرة سيناء عام 1979.
بفضل الحوار والتفاوض حصلت منظمة التحرير الفلسطينية على الاعتراف الدولي باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وكل الفضل كان للحسن الثاني في الدفاع عن ياسر عرفات ودعمه.
بفضل الحوار والتفاوض، حصل الفلسطينيون على غزة والصفة الغربية وصارت لهم سلطة معترف بها دوليا.
بفضل الحوار والتفاوض استعاد الأردن أجزاء من أراضيه التي سبق أن احتلتها إسرائيل في الحروب التي أعلنها الزعماء القوميون.
كلما فتشنا في خيار الحوار والتفاوض وجدنا المغرب بدبلوماسبته الهادئة والمتعقلة والعادلة، لا يترك عاملا يرى فيه بصيص من الأمل إلا وظفه بحكمة وتبصر وفي صمت تام دون بهرجة أو ادعاء أو مزايدة.
من هذا المنطلق أعود لأجيب عن تساؤل البعض، هل الصحراء مقابل فلسطين؟
عرضت نخبة من اليهود من أصل مغربي ذوي النفوذ الكبير، نفسها للتدخل من أجل جعل الموقف الامريكي لصالح المغرب دفاعا عن وحدته الترابية، وطلبوا من المغرب السماح لهم القيام بهذه الخطوة.
طبعا لم يكن الرد المغربي عليهم بالنأي بأنفسهم عن هذا الملف، فهم قبل كل شيء مغاربة، لكن المغرب طلب منهم أمرا آخر، ويتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.
لا نريد أن نتوسع في الحديث أكثر في هذا الموضوع.
للإشارة فإن ملك المغرب محمد السادس في اتصاله بالرئيس محمود عباس فور إعلان الولايات المتحدة اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء أكد له أن “المغرب يضع دائما القضية الفلسطينية في مرتبة قضية الصحراء المغربية، وأن عمل المغرب من أجل ترسيخ مغربيتها لن يكون أبدا، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة“.
قريبا ستعود القضية الفلسطينية إلى الأضواء، وعلى الأسس المتفق عليها دوليا بعدما غمرها النسيان طيلة العقد الفارط.
طابت أوقاتكم

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *