شؤون الاستثمار

مذكرة تأطيرية عامة

يواجه المغرب على غرار معظم البلدان الصاعدة تحديات متعددة يفرضها التحول الحضري الذي يتسارع في هذا الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. فعلى امتداد ما يقرب من قرن من الزمن ارتفع معدل التمدن من أقل من 01٪ إلى ما يناهز ٪46 ومن المحتمل أن يتجاوز ٪07 بحلول عام 2030. كما أن الفضاءات المتربولية أصبحت تدريجيًا مجالا لعيش أغلب المغاربة ومكان تركز الثروة والإنتاج الصناعي والتجارة والخدمات والمعرفة والمهارات. وتعد المدن أيضًا الأماكن التي تظهر فيها التفاوتات الاجتماعية والمجالية بشكل أكثر وضوحًا وتبرز فيها بحدة أكبر مختلف القضايا المتعلقة بالإدماج الاجتماعي والتحول الطاقي والقدرة على الصمود، إضافة إلى إشكالات تغير المناخ. إن التخطيط الترابي وإنتاج فضاءات العيش توجد في طليعة الإجراءات المطلوبة لمواكبة الانتقال الحضريوتجسيد التحولات على مختلف المستويات الجهوية والمتربولية والمحلية وعلى مستوى مختلف الوحدات المجاورة لها. وتتطلب ضخامة التحديات المستقبلية البحث عن نماذج تخطيط جديدة وأنماط سكنية أكثر جودة وابتكارًا. ومن المسلم به أن المغرب يُعد من بين أولى الدول التي استطاعت، منذ بداية القرن الماضي، وضع منظومة تخطيط ترابي، والتي واكبتها إصلاحات عميقة لأنماط الحكامة الترابية، مع إحداث الوكالات الحضرية وبعض الفاعلين العموميين والخواص في مجال التهيئة. وهذه المكتسبات هي التي مكنت بلادنا من مراكمة تجربة حقيقية على مر السنين معترف بها من قبل مختلف الشركاء الدوليين، في مجال التخطيط والتدبير الحضري، والدعم التقني ومواكبة لكن تكثيف التحول الحضري مع تسريع المشاريع الكبرى المهيكلة التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس –نصره الله- إضافة إلى الجهوية المتقدمة وإطلاق النموذج التنموي الجديد، يفرض أسلوباً جديداً لتصور وتنفيذ المشاريع الترابية. وتنبغي الإشارة إلى أن منظومة التخطيط الموروثة عن القرن الماضي قد وصلت إلى نهاية دورتها، وأصبحت غير ملائمة لتدبير التحديات الجديدة التي تواجهها المجالات. فالدينامية التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في جميع أنحاء المملكة، وتسريع وتيرة التحولات المجالية تتطلب تخطيطا مرتكزا على آليات متجددة ومصحوبة بقدرة على المواكبة والدعم التقني لفائدة الجماعات الترابية والمستثمرين والمواطنين وذلك في أفق تظافر مختلف المبادرات لدعم المسار التنموي لبلادنا في مرحلة ما بعد الأزمة الصحية والاقتصادية. وإلى ذلك فإن النمو الديمغرافي السريع والتمدن الكبير الذي تعرفه بلادنا يترجمه الطلب القوي على السكن والتجهيزات والخدمات. وتتطلب هذه الوضعية من السلطات العمومية تهيئة مزيد من المجالات لاستقبال هذا التيار الحضري الجديد وتأطير القطاع العقاري واستهداف الإنتاج السكني وتسريع جهود القضاء على العجز السكني. وفي هذا الإطار، يجب التذكير أن الولوج الى السكن أصبح منذ سنة 1102 حقا دستوريا لضمان رفاهية وراحة المواطن. إذ يتعلق الأمر بقطاع ذي حمولة اقتصادية يساهم في التنمية الاقتصادية بصفة عامة وفي إنعاش عدة مجالات من قبيل خلق مناصب شغل حيث يستقطب قطاع البناء حوالي مليون شخص كمعدل سنوي. لقد تحقق دعم هذا المكون السوسيو اقتصادي المتمثل في الإنتاج وتيسير الولوج إلى السكن من خلال الانخراط في إصلاحات كبرى تهدف إلى تقليص العجز في الوحدات السكنية وتحسين ظروف عيش المواطنين بصفة عامة. وقد همت هاته الإصلاحات الجانب المؤسساتي عبر تعزيز وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص وكذا إحداث صناديق الدعم ومنح امتيازات جبائية، ومراجعة الترسانة القانونية والتقنية ذات الصلة بالقطاع. وقد توجت كل هذه 1 الجماعات الترابية.

المجهودات بتقليص العجز السكني الذي انخفض من 1.240.000 وحدة سنة 2002 الى 368.00 وحدة سنة 2021، مما ساهم في تحسين ظروف عيش أكثر من مليون ونصف مليون مواطن.

لقد كانت النتائج مهمة بكل تأكيد، غير أن إعادة النظر في طريقة التدخل المعتمدة حاليا أصبح أمرا مطلوبا، ويستلزم الانخراط في تفكير مشترك وتوافقي يأخذ بعين الاعتبار وجود طلب على السكن يقدر بحوالي مليوني وحدة )تشمل كل أنواع السكن( والارتفاع المستمر في عدد الأسر مما يطرح أهمية تشجيع العرض السكني وضمان

مستوى معين من الجودة يتلاءم مع متطلبات المقتنين. وقد أصبحت هذه الأمور أكثر راهنية بالنظر إلى بلوغ البرامج المدعومة من طرف الدولة نهايتها.

إن السياق الحالي المطبوع بأزمات عالمية صحية ومناخية وبالنزاعات بين الدول تدعونا إلى تغيير طريقة التفكير بشأن الرفاهية من منظور التكاليف والجودة. وهذا ما يتطلب تطوير وملاءمة الظرفية الحالية في إطار المرجعيات الجديدة للمملكة لاسيما منها النموذج التنموي الجديد الذي يدعو إلى قطيعة مع المنهجية الحالية من أجل مزيد

من التمازج ودعم الطلب. غير أن هذه المعادلة ليست سهلة دوما لحل الإشكاليات المتعلقة بظروف الإنتاج التي أصبحت أكثر فأكثر صعوبة بالنظر لارتفاع أسعار المواد البناء والمحروقات وندرة المواد الأولية على الصعيد العالمي. كل هذه العوامل تدفعنا نحو نهج طريقة جديدة لاستيعاب الحق في السكن والإصلاحات التي يجب إرساؤها.

إن اختيار المغرب اعتماد تنظيم للدولة مبني على الجهوية المتقدمة مع دعامتيها المتمثلتين في اللامركزية و اللاتمركز، يدعو وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة إلى الإنصات إلى المجالات على المستويين الجهوي والمحلي حيث إن الأجوبة على سؤال تكاليف السكن ودمقرطة الولوج إلى السكنى وكذا إنعاش قطاع السكن المعد للكراء، بالإضافة الى الاهتمام بالجوانب المتعلقة بالجودة والاستدامة وإدماج معايير التمازج الاجتماعي واحترام العدالة الاجتماعية والمجالية يجب أن ترتكز على معرفة أفضل للمجالات. لذلك فإن

الارتكاز على وسائل تدخل خاصة وأكثر استهدافا على المستوى المحلي ستكون لها آثار أكبر.

ومع التذكير بكل المكتسبات فإن الحوار الوطني للتعمير والإسكان الذي سيتم تنظيمه يجب أن يشكل فضاء لتبادل وتقاسم الرؤى من أجل تثمين الإنجازات والجهود لرفع التحديات وكسب الرهان الاجتماعي والاقتصادي والانخراط في الحكامة، في سياق وطني و دولي باتت فيه المدن تعرف تحولا مستمرا.

ولذلك فإن نظام التخطيط المجالي يجب أن يضطلع بمهام جديدة ترتبط أساسا بالتحفيز والاستباقية والتنمية الترابية، وأن يتبنى منهجيات جديدة ومندمجة لخلق مشاريع حضرية متجددة تستجيب لحاجيات النقل والمرافق والسكن والتشغيل، كما يجب أن يتم ضمان المتفصل بين المكونين “التعمير والولوج إلى السكن” في إطار من

الانسجام التام مع جعل رفاهية المواطن في مركز انشغالاته.

وفي هذا الإطار يهدف الحوار الوطني للتعمير والإسكان إلى فتح نقاش عميق مع كل الفاعلين المؤسساتيين المهتمين بالمجالين الحضري والقروي لاستكشاف الطرق والوسائل الكفيلة بإجراء تحول مشهود من أجل إرساء نموذج جديد لتهيئة المدينة وكذا خلق فضاءات عيش لائقة وسهلة الولوج بناء على مقاربة ترابية. كما أن وثائق التعمير مدعوة إلى تجاوز منطق الضبط المتمركز على مستوى الجماعة، وإلى إدماج البعد الاستشرافي للتنمية

الترابية والاقتصادية والاجتماعية على صعيد جهوي. 2

إن إنجاح التحول الحضري يدعو مجموع الفاعلين المؤسساتيين المعنيين من قطاعات وزارية وسلطات جهوية ومحلية وجماعات ترابية ومجتمع مدني إلى التعبئة من أجل المساهمة في إعادة التفكير في مستقبل منظومتي “التعمير والإسكان” خلال السنوات القادمة وتطوير أنظمة التخطيط المجالي وتهيئة فضاءات عيش أكثر ذكاء وابتكارا ومشاركة تركز على إنعاش الاستثمارات المنتجة والإدماج الاجتماعي والاستدامة والصمود، وتنبني على رؤية استشرافية جماعية ينخرط فيها المنتخبون والسلطات الجهوية والمحلية والمستثمرون والسكان، حيث يمكن لكل

إن هذا التحول في المقاربة يشكل رهانا بالنسبة للحوار الوطني وورشات الحوار المجالية حيث يوجد اليوم توافق دولي )البنك العالمي، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وبرنامج الإسكان لمنظمة الأمم المتحدة( على اعتبار التعمير والتخطيط الترابي بمثابة مؤهل وعامل حاسم لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع ضرورة الأخذ بعين

الاعتبار مؤشرات العيش الكريم التي تدمج أساسا السكن الآمن واللائق كعامل للرفاه الاجتماعي.

لذلك فإن الحوار “التعمير والإسكان” سوف يشكل خطوة متقدمة نحو إجراء التغيير، وذلك بتحفيز انخراط جميع القوى الحية ببلادنا ورفع الحواجز وتشجيع العمل الأفقي مع الاعتماد على الذكاء الجماعي على مختلف المستويات لإرساء قيم الحكامة والنجاعة والتضامن.

وستُعطى انطلاقة هذا الحوار في محفل وطني ليمتد بعد ذلك لكي يغطي الجهات 12 للمملكة حيث سيتم تنظيم فعاليات التفكير والحوار من خلال أربع ورشات موضوعاتية ينشطها خبراء مرموقون.

الورشة 1: التخطيط والحكامة

من أجل نظام تخطيط ترابي مبتكر بهندسة متنوعة تأخذ بعين الاعتبار مختلف السياقات والمستويات وتنشد المرونة والملاءمة والإدماج الاجتماعي والجاذبية الاقتصادية والنجاعة والاستدامة والاستشراف والابتكار يجمع بين التقائية الأنشطة العمومية، والحكامة المندمجة للمجالات على مختلف الأصعدة من أجل تحقيق تفاعل ترابي

الورشة 2: العرض السكني

إن السكن باعتباره عاملا للرقي الاجتماعي والاقتصادي ما زال يشكل تحديا كبيرا بالنسبة لبلادنا. وفي هذا الإطار وبعد فترة الركود الاقتصادي بسبب آثار جائحة كوفيد 19 بالإضافة إلى انتهاء برنامجي السكن الاجتماعي لسكن 140 ألف درهم وسكن 250 درهم التي أعطيت انطلاقتهما على التوالي في قانوني المالية لسنتي 2008 و2010، فإن نمطا جديدا للإنتاج وللإسكان أصبح ضروريا من أجل إدماج المبادئ التي جاء بها النموذج التنموي الجديد. وذلك من أجل عرض سكني متنوع يتوزع على كل الجهات ويستجيب لحاجيات كل الفئات الاجتماعية، يحمي ويبعث حيوية جديدة في القطاع العقاري. ويؤمل من هذه الرؤية الجديدة أن تسمح بتجاوز منطق العرض السكني ذي التكلفة

منهم إيجاد مكانه والقيام بنشاطه.

وتوضيح الأدوار والمهام والمشاركة المواطنة والشراكة.

المنخفضة إلى العرض الذي يوفر إطار عيش هادئ وصامد ومستدام.

لذا، تدعو هذه الورشة مختلف الفاعلين والمهنيين المعنيين إلى تفكير جماعي مشترك من أجل دعم مستقبل القطاع.

3

لورشة 3: دعم العالم القروي وتقليص الفوارق الترابية

من خلال العمل على وضع استراتيجية للتنمية المندمجة بالعالم القروي تروم التماسك وتوطيد رابط التكامل والتضامن بين المجالات الحضرية والقروية وتقليص الفوارق ومحاربة الهشاشة وتثمين المجال القروي وتطوير الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

الورشة 4: ا􏰀طار المبني

تهدف توجهات النموذج التنموي الجديد أساسا إلى ضمان ولوج منصف للمرافق العمومية وخلق إطار عيش سليم وذي جودة يحمي الموارد ويحترم كل روافد الهوية الوطنية ويضمن الكرامة لجميع المواطنين. في هذا السياق، يشكل الإطار المبني رافعة أساسية لتحقيق هذه الأهداف وتحسين ظروف عيش المواطنين وإنعاش التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتقليص مظاهر الإقصاء الاجتماعي والمجالي. وسيسمح تبادل الرؤى والنقاش في هذه الورشة بين مختلف الأطراف المعنية بخصوص التحديات الكبرى المرتبطة بالإطار المبني بإثراء التفكير حول طرق الإصلاح الضرورية من أجل تطوير مقاربة شاملة للتدخل على مستوى الإطار المبني تروم تحقيق رفاهية المواطن وضمان جودة إطار العيش.

خلال هذه الورشة ستتم مناقشة المحاور التالية:

حماية وإعادة تثمين التراث المبني الذي يعتبر أساس التنمية المستدامة من أجل تمفصل أفضل بين الحاضر والماضي والمستقبل في إطار منطق التحول والتضامن بين الأجيال. سياسة المدينة بوصفها سياسة لمحاربة مظاهر الاقصاء الاجتماعي والمجالي من خلال أنشطة سوسيو- اقتصادية مندمجة. القضاء على السكن غير اللائق من أجل تحسين ظروف العيش والإدماج الاجتماعي والحضري.

الرفع من جودة الإطار المبني كمفهوم متعدد الأبعاد بتوفير عنصر الجودة على عدة مستويات منها التعمير والمعمار والمنظر الخارجي والبناء والاستدامة والتي يجب أن تستجيب لمختلف المتطلبات الضرورية ومنها ضرورة حماية البيئة وتقوية النجاعة في مواجهة الأزمات الصحية والمناخية.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *