بقلم عبد الهادي مزراري


في البداية استسمح من الشعب التونسي، فالحديث عن شؤونه الداخلية، لا تتم في وسائل الإعلام، خاصة العربية، إلا من باب تأييد هذا الفريق أو ذاك، ونتابع بأسف شديد مداخلات معلقين ومحللين من دول عربية كأنهم يعالجون مقابلة في كرة القدم بين فريقين عدوين، فيما هم إما أنصار هذا القميص أو ذاك.

ترددت قبل الكتابة في هذا الموضوع، وتلقيت اتصالات من صديقات وأصدقاء تونسيون يتحدثون عن تحول سياسي خطير في بلادهم، بين مؤيد ومعارض ومستفسر عن الآفاق التي باتت غير واضحة.
أشد ما استفزني هو عشرات الكبسولات من الفيديوهات التي تناسلت في الساعات الأولى من إعلان قيس إغلاق خيمة ليلى (البرلمان)، وحل الحكومة، يتحدث في تلك الكبسولات أشباه الإعلاميين من تركيا وقطر والإمارات ومصر والجزائر عن الأوضاع الخطيرة في بلاد ثورة الياسمين.
وبسرعة البرق بدأت الاسقاطات على الحالة التونسية هناك من يشبه قيس سعيد بعبد الفتاح السيسي في مصر، وهناك من يصف رشيد الغنوشي بنيلسون ماندلا في جنوب إفريقيا، واشتد النزال الإعلامي حتى من داخل الفضائيات العربية التي تمثل ألوانا سياسية مختلفة وجاءت لتصفي حساباتها في الملعب التونسي.
تمنيت لو أن “الإخوة” العرب تركوا تونس للتونسيين، وتمنيت لو أن الخلافات التي اشتدت بين الزعماء السياسيين التونسيين، بقيت خلافات مؤسساتية كما هي في طبيعتها، ولا تتحول إلى خلافات بعناوين زعامات.
تابعت الشأن التونسي منذ فترة طويلة، وكنت أفضل أن أفحص المرادفات التي توصف بها التجربة الديموقراطية في تونس بمجهر أكثر موضوعية، ففي الوقت الذي كان الجميع يطبل ويزمر للتجربة الديموقراطية في هذا البلد، كنت اتابع في اللحظة ذاتها مسار الخط التنموي الاقتصادي والاجتماعي، وكتت أسأل كثيرا عن أحوال تونس والتونسيين، وكانت الإجابات صادمة إلى درجة أن أحد الخبراء التونسيين قال لي بالحرف “نتحسر على زمن بن علي”.
كثيرون من تحسروا على زمن صدام حسين في العراق، وزمن محمد حسني مبارك في مصر ، وزمن معمر القذافي في ليبيا، ولكن الحسرة لا تنفع، كما لا ينفع أن نربط دائما مبادرات التغيير باستبدال السيء بالأسوء، فالشعوب تطمح إلى الأفضل ومن حقها أن تحصل على ما تستحق.
في حالة تونس، ينطبق عليها مثل شعبي مغربي، يقول إن أحد القرويين بلغ إلى علمه أن والده سقط من فوق الدابة قبل أن يصل إلى السوق، فأجابهم “من الخيمة خرج مائلا”.
صحيح أن الشعب التونسي بعد التخلص من الرئيس بن علي، لم يحمل السلاح في وجه بعضه البعض كما فعل جاره الشعب الليبي، ولكنه فضل أن يخوض معركته السياسية من داخل القاعات، وتمكن من كتابة دستور وإجراء انتخابات وانتخاب رئيس وتشكيل حكومة. لكن هل تم ذلك بشكل صحيح؟
الجواب هو لا، والدليل هو ما عاشه الشعب التونسي طوال العشر سنوات الماضية. تراجعت البلاد في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولم تنشط إلا في السجالات السياسية الفارغة وسباق السياسيين على طريق تحقيق المصالح الشخصية وتفشي الفساد.
تأكد الواقع المؤسف في تونس في الصراع بين المؤسسات التي لا تعمل بشكل سليم، وتعطل تأسيس المحكمة الدستورية بسبب الخلاف حول تعيين اعضاءها، وتفاقمت أوضاع الناس في المدن والقرى.
تأكد الواقع المؤسف أيضا في نفور الشعب من لعبة السياسيين، وخرج للتظاهر في مناسبات كثيرة خارج عناويين الأحزاب، كما يعتبر انتخاب قيس سعيد من خارج الدائرة السياسية دليلا آخر على أن “ماكينة” السلطة التي تولت زمام الأمور بعد ثورة الياسمين تعمل بشكل سيء.
إضافة إلى كل ذلك، وجد الرئيس قيس سعيد نفسه، وهو الذي لا يمثل أي تيار كان إسلاميا أو علمانيا أو يساريا، وجد أن المؤسسة الرئاسية ضعيفة ومحاصرة بسلسلة من القوانين تجعل البرلمان أكثر سلطوية منها.
بالنسبة للفريق التونسي الذي وضع الدستور في عام 2014، وعمل على أن يجعل سلطة الرئيس محدودة وسلطة البرلمان واسعة، ربما فعل ذلك بحسن نية من أجل أن يقطع الطريق على أي “بن علي” آخر، ولكنه في الوقت نفسه غاب عنه أنه صنع برلمانا يشبه ملعبا لمصارعة الثيران.
هذه مشكلة السياسيين في العالم العربي، يعتقدون أن الديموقراطية هي السلطةعندما تصنع في البرلمان، وهذه خدعة كبيرة أوحت بها المنظومة الغربية من أجل أن تكون معيارا مقدسا ومعبودا، بينما في الواقع السلطة الديموقراطية تمرر من خلال البرلمان ولا تصنع فيه.
كل مجتمع يوجد فيه مجتمع سياسي، وطبيعة هذا الأخير هي من تحدد الأسلوب الأنسب لقيادة المجتمع. هناك دائما في المجتمعات الغربية التي تعتبر نموذجا للديموقراطية من يمسك العصا من الوسط، ويوجد في الخلف وليس في الواجهة.
في تونس لم يوجد عندهم من يمسك العصا من الوسط، ولهذا اشتد النزال السياسي بلا فائدة وكثر اللغط، وساءت أمور كثيرة في الوقت الذي كان يفترض أن تنكب مؤسسات الدولة على تحسين الظروف المعيشية للشعب وتطوير البنيات التحتية، وخلق المشاريع الإنمائية، وتقوية العلاقات الخارجية الإقليمية والدولية.
ربما أدرك قيس سعيد هذه الأمور وأراد ان ينقلب علبها ولم يقصد ان ينقلب على الدستور، وكم هناك دساتير هي أسباب هلاك الشعوب، خاصة إذا كانت تنتج ديموقراطية افتراضية كنا عاشتها تونس وتجني ثمارها اليوم.
طابت أوقاتكم

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *