عبد الهادي مزراري/ شؤون الاستثمار


يرتبط مصير الدول بواقعها الداخلي من جهة، وارتباطها بمحيطها الإقليمي والدولي من جهة ثانية. ومنذ العشرين يناير الماضي، تاريخ تسلم الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن السلطة في البيت الابيض. تسارعت الأحداث في بقاع كثيرة من العالم، ومنها المغرب وما حوله.
بدت الإدارة الأمريكية الجديدة مصممة على القطع مع قرارات اتخذتها الإدارة السابقة من جهة، مع المضي قدما في قرارات أخرى ورثتها عن عهدة الرئيس ترامب من جهة أخرى.
راهن خصوم المغرب على تغيير بايدن موقفه من القرار الأمريكي القاضي بالاعتراف بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية. لكن الإدارة الجديدة أطلت على العالم بتصريح المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس بقوله “لا جديد في الموقف الأمريكي بشأن الصحراء المغربية”.
طبعا ليس النظام الجزائري وحده من تضرر من الموقف الأمريكي المؤيد للمغرب، ولكن هناك دول منافقة في الاتحاد الأوروبي تستفيد من الدور السيء للنظام الجزائري في المنطقة، وتريد إبقاء الوضع على ما هو عليه.
هذه الدول تدعي التزامها بموقف الحياد في أزمة الصحراء المفتعلة، ولكنها تسعى في الواقع إلى إطالة أمد النزاع لأطول فترة ممكنة حتى يتسنى لها الاستفادة أكثر من الوضع بين المغرب والجزائر.
بالنسبة للمغرب، يكاد يكون الوضع مريحا في الوقت الراهن، فهو اختار استراتيجية تنويع الشراكات الدولية والإقليمية وعزز موقفه بدور حيوي في القارة الإفريقية، وعليه ان يستثمر وضعه الجديد لوضع حد لأسلوب النفاق الذي تمارسه بعض الأطراف في القارة الأوروبية خاصة في إسبانيا وألمانيا وفرنسا.
أما بالنسبة للجزائر فالوضع يزاداد سوء على الصعيد الداخلي في ظل الأزمتين السياسية والاقتصادية، فالنظام الذي يسيره جنرالات في الجيش يبحث بكل الوسائل على الاستقواء بالحليف الفرنسي التقليدي من جهة وتعزيز علاقاته مع ألمانيا من جهة ثانية، أملا في إعادة ملف نزاع الصحراء إلى مربع الإنطلاق.
ليس للنظام العسكري في الجزائر من هم سوى الدفاع عن البوليساريو لتقسيم المغرب، من جهة، وتأمين بقائه في السلطة من جهة ثانية. وليس لهذا النظام هدف ثالث.
لتحقيق هذين الهدفين، يعتبر النظام العسكري في الجزائر مستعدا للمغامرة بأي قرارات إقليمية أو دولية، وإن كانت على حساب مصالح الشعب الجزائري.
كمقدمة لهذه المغامرات أخبرنا قصر الإليزي في باريس عن استعداد الجيش الجزائري القيام بدور أمني في مالي لفائدة القوات الفرنسية المنتشرة في هذا البلد الإفريفي.
من جانبه، حاول قائد الجيش الجزائري سعيد شنقريحة، نفي الخبر، وعمل على إخفاءه باستعمال غطاء الرأس لتغطية العورة المكشوفة للجميع.
من جانبهم، عبر الجزائريون عن رفضهم لهذا القرار، ورفعوا شعارات منددة في مظاهرات النسخة الثانية من الحراك الشعبي الذي خرج يطالب علنا بتغيير النظام تحت شعار “دولة مدنية ماشي عسكرية”.
للإلتفاف على مطالب الشعب، وصرف نظره عن الأوضاع المزرية، اشتغلت مكينة الإعلام التابع للجنرالات على تقديم المغرب في صورة البعبع الذي يستهدف الجزائر ويحرمها من التقدم.
وفي محاولة لا تخلو من غباء نسقت الاستخبارات العسكرية الجزائرية عبر ما يسمى مجازا بالتيار الإسلامي الجزائري مع التيار الإسلامي في تونس الذي تقوده جبهة النهضة لإطلاق اتحاد المغرب العربي بثلاث مكونات وهي تونس والجزائر وليبيا دون المغرب وموريتانيا.
بحركة بهلوانية رد زعيم التيار الإسلامي الجزائري العميل للعسكر عبد الرزاق مقري، رئيس حركة “مجتمع السلم” على تصريح رشيد الغنوشي زعيم حزب حركة النهضة التونسي بالقول “لا بأس إذا نسي أخونا الغنوشي ذكر موريتانيا نعتبرها طرفا رابعا في الاتحاد أما المغرب فلا، لأنه أتى بالعدو الصهيوني إلى جوارنا”.
المبتدئ في السياسة يدرك للوهلة الأولى أن نظام العسكر أو كما يسميه المعارضون الجزائريون الحقيقيون “العصابة” هم من فبرك قصة الاتحاد المغاربي دون المغرب، وذلك لتحقيق هدفين خبيثين بضربة واحدة، إلهاء الشعب الجزائري بحلم الاتحاد من جهة، وتشكيل تكتل إقليمي ضد المغرب من جهة ثانية.
هذا موضوع تافه وهذه دعوة ساقطة، لأن الاتحاد المزعوم لن يتحقق أبدا، والكيانات الثلاث ليبيا وتونس والجزائر غارقة أصلا في أزمات داخلية طاحنة. فالأمور عند الليبيين لم تحسم، والتونسبون منقسمون من جديد بسبب تلاعبات ومغامرات حزب حركة النهضة الذي يتورط في تحالفات خارجية سترهن مستقبل تونس، فضلا عن ذلك في الجزائر ينطلق قطار الحراك الشعبي الذي يطالب بإسقاط نظام العصابة.
أمام كل هذه المحطات، يستحسن أن يركز المغرب على ما هو بصدد فعله، وهو تقوية علاقاته بالحلفاء الدوليين الحقيقيين، ودفع ما تبقى من الدول للتخلي عن سياسة الباب نصف المفتوح.
بالنسبة للبوليساريو تعتبر قضية منتهية واللاعب الحقيقي هو نظام العصابة في الجزائر، حيث تؤكد كل المؤشرات بأنه في مرحلته الأخيرة، ولم يعد يشكل أي تحد بالنسبة للمغرب.
التحدي الحقيقي للمملكة هو أن تستعد لاستقبال آلاف الصحراويين من مخيمات تندوف، والمعركة الحقيقية هي إدماجهم في الحياة بعدما قضى بعضهم عقودا في العزلة والبطالة والقمع، والبعض الآخر ولد في قلب هذه الآفات ويتطلع لليوم الذي ينتهي فيه الكابوس.
تفرض المرحلة المقبلة على المغرب مضاعفة السرعة لمواكبة التحولات الداخلية والإقليمية والدولية، وينتظر أن تكون الانتخبات المقررة هذه السنة طريقا لإعادة تشكيل المجالس المنتخبة وطنيا وجهويا ومحليا من أجل بناء واقع جديد يتماهى فيه ما هو ديموقراطي بما هو تنموي. فالديموقراطية والتنمية سلاح الأقوياء ومطلب الضعفاء.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *