عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


لم يسافر الرئيس الفلسطيني محمد عباس الملقب ب أبو مازن إلى الجزائر في ظروف عادية أقل ما يمكن وصفها بأنها زيارة ترتب للقمة العربية المزمع عقدها في الجزائر في ملرس المقبل. وإنما هي زيارة مثيرة للريبة في وقت تعاني فيه الجزائر الكثير من المشاكل بسبب الإخفاقات الداخلية المترتبة عن الأزمتين السياسية والاقتصادية، من جهة، وكذلك الإخفاقات الخارجية الناجمة عن الانتكاسات الدبلوماسية بسبب صراعها مع المغرب وسعيها المستمر في الدفاع عن جبهة البوليساريو الانفصالية.

لا ينكر إلا جاحد أن الجزائر خسرت الكثير من المعارك ضد المغرب منذ 13 نونبر 2020، تاريخ طرد القوات المغربية ميليشيا البوليساريو من الكركرات، توالت بعدها العديد من الضربات تحت الحزام تمثلت في الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، وافتتاح العشرات القنصليات الأجنبية في العيون والداخلة، فضلا عن موقع المفرب الذي تعزز في الاتحاد الإفريقي، وموقفه الذي أصبح أكثر صلابة في وجه الاتحاد الأوروبي.
إضافة إلى ذلك حصد المفرب تأييدا واسعا على الصعيد العربي تمثل في موقف الدول الخليجية التي نادت جميعها بمغربية صحراءه، انطلاقا من القمة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وانضمت إليها المملكة الاردنية، وتفاعلت دول عربية أخرى مع مبادرات المغرب انطلاقا من ليبيا ومصر وموريتانيا.
مقابل ذلك، بدت الديبلوماسية الجزائرية المثقلة بالمشاكل الداخلية في موقع من يبحث عن مخرج مشرف، ففي كل قرار تتخذه ضد المغرب ينقلب عليها بنتائج عكسية، بدء بقرار قطع العلاقات الديبلوماسية، وقرار إغلاق الأجواء في وجه الطيران المغربي، وقرار إغلاق أنبوب الغاز، الذي يمر عبر المغرب نحو إسبانيا، وكلها قرارات لم تؤثر ولو بوخز إبرة على المغرب، الذي عدل خياراته الدبلوماسية ورفع إيقاع السرعة، وأصبح قبلة لتحالفات استراتيجية جديدة.
حاولت الجزائر في شخص نظامها العسكري الهرم أن تحيي بعض خيارات مرحلة الحرب الباردة، وطار قائد الأركان سعيد شنقريحة إلى روسيا للحصول على دعمها، لكن الصدمة كانت قوية، عندما لم تفعل موسكو شيئا لإجهاض قرار مجلس الأمن 2602، الصادر في 30 أكتوبر الملضي، أو على الأقل تعديله، فجاء قرارا صادما للنظام الجزائري ولأطروحته عبر البوليساريو.
كان أمرا أشبه بلكمة أسفل الدقن، أربك القادة الجزائريين، وجعلهم يبحثون يمينا ويسارا عن التوازن ولم يعثروا إلا على النظام الإيراني، وهنا منحوا المغرب من دون أن يشعروا ورقة تعزيز علاقاته مع كل الدول التي تعاديها إيران بما فيها دول الخليج وإسرائيل.
مع اقتراب موعد استضافة القمة العربية في الجزائر، استشعر النظام الجزائري أن القمة فشلت قبل أن يحين موعد تنظيمها، وظهرت مؤشرات قوية لتغيير مكان انعقادها، وهو ما يشبه المسمار الأخير في نعش الديبلوماسية الجزائرية.
حكم النظام الجزائري على نفسه بالعزلة، ولكي يخرج من وضعه المتأزم لم يجد من قضية يمكن أن يجتمع عليها العرب بحسب رأيه، سوى القضية الفلسطينية، ولهذا استدعى الرئيس الفلسطيني ووعده بمائة مليون دولار ، دعما للسلطة الفلسطينية على حد قول تبون خلال الندوة الصحفية المشتركة التي أقامها مع عباس.
أراد تبون أن يقول لعباس، “الآن وبعد توقيع المغرب اتفاقا عسكريا مع إسرائيل، أصبحنا كلانا نواجه العدو الصهيوني على حدودنا”.
استأذن تبون ضيفه عباس للتوسط بين حماس وفتح، ناسيا أن هذه الورقة بيد المصريين ومن اختصاصهم منذ سنوات، الأمر الذي سيجلب على الجزائر نقمة القاهرة وسخط الفلسطينيبن أنفسهم.
عباس رحب بطلب تبون وشكره، عباس رجل متمرس وكبير المطبعين مع إسرائيل، وإن كان من خدمة سيقدمها لتبون هو التوسط له عند الإسرائليين. دون ذلك يعرف عباس جيدا أن حل القضية الفلسطينية في يد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاء إسرائيل، أما إذا وضعت فلسطين في الملعب الجزائري فهي في مهب الريح، لأنه ملعب في حكم النظم العسكرية التي أضاعت الأرض والعرض في بلدان عربية كثيرة.
هنيئا لعباس ب 100 مليون دولار إذا توصل بها.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *