عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار

أثارت فاجعة الطفل ريان الكثير من الأمور المرتبطة بحياة الإنسان، وجعلت ملايين الناس من كل بقاع العالم على قلب شخص واحد، يفكرون بطريقة إنسانية ويعبرون عن تعاطفهم وتواددهم وتراحمهم كأن بينهم أنبياء الله ورسله يدعونهم كما دعوهم في سابق العصور إلى وحدة الله وفعل الخير.
من أجمل الصور التي أضاءت الأيام السوداء للفاجعة رجل يدعونه “عمي علي الصحراوي”، كان كلما ظهر أمام عدسات الكاميرات استبشر الناس خيرا، فهو القطعة الفريدة من نوعها التي تربط الحاضر بكل آلاته وجرافاته بالماضي وأدواته البسيطة في الحفر والتنقيب.
تطوع عمي علي الصحراوي من تلقاء نفسه في عملية إنقاذ الطفل ريان، وهو الرجل البسيط حفار الآبار، تمكن من إيجاد مكان له بين أفراد طاقم الإنقاذ من والوقاية المدنية، والخبراء الطوبوغرافيين، والمهندسين المدنيين، الذي جاؤوا تحت إمرة السلطات المحلية بأوامر من الجهات العليا لإنقاذ الطفل ريان.
رغم خصوصية الحادث وطابع الاستثناء الذي تميز به، لم يكن للأمور أن تتقدم دون وجود عمي علي الصحراوي، فهو إن شئنا أم أبينا كان معنيا بالحضور والمشاركة لثلاثة أسباب رئيسية تدخل ضمن السر الإلهي، الذي أحاط بحادث سقوط ريان في الثقب المائي تحت 32 متر، ومكوثه هناك 5 أيام، وانطلاق عملية إنقاذ غير مسبوقة تابعها مئات الملايين من الناس عبر المعمور.
السبب الأول، وهو سبب بديهي، فعمي علي هو العنصر المألوف القريب من مكان وقوع الحادث، وبحكم عمله في مهنة حفر الآبار واشتغاله في المنطقة خلال سنوات طويلة، كان أول من تم استدعاءه من طرف سكان قرية ريان، لفعل ما يمكن فعله. لكن الأمر كان فظيعا والطفل وقع في ثقب مائي، ولا سبيل إلى النزول إلى مكان وجوده في حفرة عمقها 32 متر وسعتها تتراوح بين 35 و20 سنتم، كما لا فائدة من الحفر التقليدي الذي يعني هدم مئات المترات المكعبة من التراب فوق الطفل ريان.
انصرف كل من كان يحاول المشاركة في عملية الإنقاذ في مرحلتها التقليدية، باستثناء عمي علي الصحراوي، وهذا بسبب دوره في المرحلة المقبلة.
السبب الثاني، عندما وصل خبر سقوط الطفل ريان في الثقب المائي، إلى مركز القرار، واتخذت على الفور إجراءات على أعلى مستوى من التأهب، وجاءت إلى موقع الحادث فرق الوقاية المدنية المدربة والمجهزة، معززة بخبراء طبوغرافيين، ومهندسين، بالإضافة إلى طاقم طبي، وانطلقت عملية الإنقاذ في مرحلتها الثانية، تحت حراسة أمنية مشددة بحضور موظفين سامين، كان أيضا لا بد من وجود عمي علي الصحراوي.
مهما حفرت الجرافات وتمكنت من إزاحة أطنان من الأتربة أفقيا حتى عمق 32 متر، لابد من الحفر العمودي من أجل الوصول إلى المكان الذي يوجد فيه ريان، وإلا فإن الجرافات كانت ستجرف ما تبقى من أتربة فوق الضحية.
السبب الثالث، بصرف النظر عن الحاجة إلى حفار يعمل يدويا من أجل الوصول إلى الطفل في مرحلة الحفر الأفقي، خاصة في الأمتار الأخيرة، كان حضور عمي علي بذاته وليس غيره من الحفارين، هو بسبب القيمة الأساسية لشخصه في هذه العملية التي صارت أسطورة تابعها ملايين الناس من الجهات الأربع.
لا ينكر أحد أن ما بلغته فاجعة ريان يتعدى كونها حدثا مأساويا عاديا، ومن ضمن ما لا يجعلها كذلك هو نوع الأشخاص الذين كانوا داخل الإطار وضمنهم عمي علي الذي شكل بعفويته وبساطته وشجاعته وزهده نموذجا لنوع من البشر المغربي في طور الانقراض. فهو بحق شخصية قلما نصادف مثلها اليوم في مجتمعنا.
قدم عمي علي منذ اللحظات الأولى للفاجعة صورة عن المغربي الذي لا يقبل أن يكون من المخلّفين، فنذر نفسه لإخراج الضحية بكل ما استطاع فعله، وكان بجسمه الصغير ولكنته الصحراوية يعادل في الميدان حجم الجرافة وزمجرتها، وبث في نفوس الناس أملين، أمل في إنقاذ ريان، وأمل في عودة الإنسانية إلى القلوب.
من أشهر عباراته “لن أغادر المكان قبل إخراجه” (لا منخرش حتى نجبدو)، إذ جاءه أولاده من أقصى الجنوب الشرقي (أرفود) ليطمئنوا عليه بعدما شاهدوه على شاشات القنوات التلفزية العالمية وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وطلبوا منه خوفا على حياته أن يغادر موقع الحفر، فرد عليهم بقوله “الموت تصيبك حتى فوق الأرض وليس تحتها فقط”.
شيء طبيعي أن يتشبث عمي علي بموقف فهو يتحذر من منطقة أرفود، وما يعرفه الجميع عن أهل هذه المنطقة هو التشبث بالموقف حتى وإن طارت العنزة.
ظل عمي علي صامدا واصل النهار بالليل، وهو يحفر بيديه لا يتوقف إلا لالتقاط نفس أو شرب ماء، حتى ظلت بعض السنتمترات تفصله عن جسم ريان، فطُلب منه مغادرة الموقع، ففعل، خرج وقال “أردت فقط أن أعرف أنني أنهيت المهمة”، ولكن جسمه كان لا يعرف إلا السقوط على الأرض للنوم بعد يومين لم يغلق فيهما عيناه.
فرح عمي علي عندما سمع بإخراج الطفل ريان فارتاح بدنه، لكن بمجرد أن علم بأن ريان خرج ميتا من رحم الأرض التي حفرها عمي علي بيده، خرجت دمعة من عينيه وهو مستلق على الأرض. وقال “مكرهناش، إنه أمر الله”.
سيذكر الناس عمي علي من خلال فاجعة الطفل ريان، بما بذله من عطاء في العمل بلا كلل، وبلا طمع في مكافأة أو جزاء، لقد كان أحسن سفير لبلدته وأهلها، يتميزون بفيض الكرم في الروح، وببدل العطاء في العمل بلا غش ولا مراوغة. هم بسطاء وكرماء، يرشدون الناس الغرباء إذا حلوا ببلدتهم بعبارة لا تفارق ألسنتهم “وجه ربي دوز للدار ناكلو شي حاجة عاد كمل طريقك”.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *