شؤون الاستثمار

“عين الشق”، اختلفت الروايات في سبب التسمية ومصدرها. بعض قدامى الحي أرجعوا إسم الحي إلى نبع ماء كان يخرج من شق صخري وراء موقع بناية البريد الحالي قرب طريق المنظر العام ومقابل ما كان يعرف بفران الجير في المنطقة التي تسمى الآن “بين المدن”. البعض الآخر ربط الإسم بتواجد “عوينة الصابون” على طريق مديونة القريبة وبأن العين المذكورة في الإسم هي نبع “عوينة الصابون”. بينما كتابات بعض المقيمين الفرنسيين واليهود المغاربة الذين سكنوا الحي في السنوات الأخيرة من الادارة الفرنسية بالمغرب تذكر في بعض المواقع التي تنشر ذكرياتهم عن الحي بأن الإسم الحقيقي هو “عين الشوك” وبأن ترجمة هذا الإسم للفرنسية هي التي أعطت الإسم الحالي بالفرنسية “Ain Chock” ومنها جاءت بعد ذلك “عين الشق” بالعربية الدارجة.


وبين “عين الشق” و “عين الشوك”، اخترت أن أطلق على هذا الحي الذي ولدت وترعرعت فيه اسم “عين الشوق”، نظرا للحمولة والشحنة العاطفية التي يثيرها مجرد ذكر اسمه أو مطالعة صورة من صوره القديمة بالأبيض والأسود، أو تذكر بعض الأشخاص والمواقع التي تشكل الذاكرة الجماعية لجيل عاش أجمل أيامه بين أزقة ودروب هذا الحي الجميل.
“عين الشق”، هذا الإسم سوف يتعود المغاربة على سماعه عدة مرات في اليوم بعد انطلاق البث التلفزيوني في المملكة يوم 3 مارس 1962 والذي كان زامن عيد العرش آنذاك. كان السبب في ذلك تواجد استديوهات التلفزة بعين الشق والتي كانت بنيت أساسا في بداية الخمسينات لإطلاق قناة تلفزيونية. كانت العديد من البرامج والسهرات تنظم باستديوهات “عين الشق”، وكان مذيعو المحطة الرئيسية بالرباط يخبرون المشاهدين بأن البث سوف ينتقل إلى “الاستديوهات الجهوية بعين الشق” كلما تعلق الأمر بالنشرة الجوية، أو بعض البرامج التي كانت تصور بها. ولعل أهم موعد للمشاهدين في عموم المغرب مع “عين الشق” كان مساء كل سبت حين يتم نقل وقائع السهرة العمومية الكبرى التي كانت تجمع آنذاك الأسماء المعروفة في الطرب والغناء والتمثيل والتنشيط بمختلف أنواعه، أو صبيحة يوم الأحد مع برنامج الأطفال الذي كان ينشطه الإعلامي المغربي محمد العلام والذي عرفه الجميع باسم “با حمدون”، ثم بعد ذلك سلسلة “عمي ادريس”، وبعض حلقات برنامج “المفاتيح السبعة” الذي كان ينشطه محمد البوعناني. وهكذا سمع القاصي والداني في المغرب ب”عين الشق”.


“عين الشق”، رغم تواجده في الأطراف الجنوبية للدارالبيضاء، بعيدا نسبيا عن مركزها حيث الأحياء الأوروبية الحديثة، لم يكن تراكما مع الزمن لمساكن عشوائية أو تجمعات بدوية كما كان الحال حتى في العشرينات في وسط الدرالبيضاء الحالية وبعض أطرافها. بل هو من الأحياء التي تم التخطيط لها وبناءها فوق أرض خالية رغم قربها من مضارب “أولاد حدو”. ذلك أن الإدارة الفرنسية التي خططت لبناء الحي كان لديها تصور كامل لشبه مدينة صغيرة بها كل متطلبات العيش في منطقة بعيدة نسبيا عن الأحياء الأخرى التي تعج بالحركة التجارية والصناعية والإدارية. كما أنها قررت أن يسكنه بعض من موظفيها المغاربة والأوروبيين وقدماء المحاربين وعائلات مفقودي الحروب الفرنسية. وبالتالي فإن التصميم العمراني الذي وضع لبناء “عين الشق” تم على أساس أن يكون حيا مستقلا عن باقي أحياء الدارالبيضاء. وهكذا وجدت به أغلب مرافق الحياة العامة التي تحتاجها ساكنة الحي: كان به إضافة إلى البيوت السكنية مسجد كبير، اعتبر آنذاك من أكبر مساجد المغرب. بني بالحي كذلك سوق عام للخضر والفواكه واللحوم والأسماك، مكاتب للعدول ملاصقة للمسجد، صيدلية، مركز صحي، مركز البريد، سينما، حديقة ألعاب للأطفال (الزعلولة) وبناية إدارية كانت خلال الحماية تصرف فيها أجور قدماء المحاربين وعرفت بعد ذلك ب”دار الخليفة” أو “المقاطعة” قبل أن تصبح مقرا لجماعة عين الشق بعد إقرار نظام الجماعات المحلية بالمغرب. كما عرف الحي بناء أكبر مجمع خيري اجتماعي بالمغرب، “دار الأطفال” التي عرفت ب”الخيرية” وذلك لإيواء أبناء الجنود الذين حاربوا في صفوف فرنسا وتوفوا في الحرب العالمية الثانية، لتفتح أبوابها بعد ذلك لكل يتامى المدينة بل والمدن الأخرى بالمغرب. كما يضم الحي معلمة عمرانية جميلة هي بناية الحمام العمومي الذي كان وقتها أحدث وأهم حمام عمومي بالمغرب، وهو مجاور للمسجد وملاصق للسوق العمومي. إضافة إلى قاعة سينما (الصحراء) ومركز صحي.
ومنذ أن وعيت بالفضاءات المحيطة بالبيت الذي ولدت ونشأت فيه، علمت أن المنطقة التي يقع فيها بيتنا تسمى السانكيام (Cinquième)، ولم أكن أفقه لماذا ولم أسأل أبدا عن سبب ذلك مثل أغلب سكان الحي بكل تأكيد. ومؤخرا فقط ، وأثناء بحثي عن تاريخ بناء الحي اطلعت على سبب التسمية، ليس للمنطقة التي أقطنها فحسب بل لباقي المناطق السكنية التي تشكل النواة الأولى للحي عند بنائه في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات من القرن الماضي. التصميم العمراني الذي وضعته الإدارة الفرنسية قسم حي “عين الشق” إلى 5 أجزاء:

الجزء الأول: يتواجد بين الشارع الذي ينطلق من مستشفى مرضى السل إلى سينما الصحراء (شارع برشيد حاليا)، وأيضا بين الشارع الذي كان نهاية خط الباص رقم 4 والزنقة التي تنطلق من المقاطعة التاسعة (دار الخليفة) والتي تمر أمام مكاتب محلات العدول لتلتقي بالمحطة النهائية للباص رقم 4 من ناحية بناية السوق وسينما الصحراء. وهو أكبر جزء من الحي ويطلق عليه أيضا إسم “الدرب القديم” وما زال يعرف بهذا الإسم إلى الآن. خط الباص رقم (4 باري) كانت محطته النهائية (التيرمينوس) عند “دار الخليفة” أو المقاطعة التاسعة، وكنا نسميه “سراق الزيت”، لأنه كان عبارة عن “تراموي” كهربائي بدون سكة حديد وكان مرتبطا بخطوط الكهرباء بواسطة قضيبين عموديين يشبهان زعانف الصراصير أي “سراق الزيت”، ومن هنا كانت التسمية.

الجزء الثاني: يتواجد مقابل مكتب البريد إلى المسجد، وأيضا بين شارع المنظر العام الذي كان يسمى أيضا الحزام الكبير والزنقة التي تقع في مواجهة المقاطعة التاسعة ومكتب البريد (زنقة زاكورة حاليا) وإلى منعطف المسجد صعودا نحو مدرسة “المنظر العام” (بانوراميك) لتلقي بالشارع الذي يحمل نفس الإسم: المنظر العام.

الجزء الثالث: وهو المنطقة المتواجدة بين الشارع الذي يمر منه الباص رقم 4 (شارع برشيد) والزنقة رقم 9 التي تنطلق من نفس الشارع إلى دار الأطفال. ويعرف أيضا بدرب المخزن لأن عائلات أفراد القوات المساعدة كانت تسكن بهذا الجزء.

القسم الرابع: وهو أصغر جزء من الحي، ويتواجد في مقابل مستشفى أمراض الصدر، ويطلق عليه درب البناني.

القسم الخامس والأخير كان يسمى سينكيام (Cinquième) أي الخامس. وكان مخصصا في البداية لقدماء المحاربين والموظفين. ويقع هذا الجزء بالظبط بين درب البناني (الرابع) ودار الأطفال وأيضا درب المخزن (الثالث) ودرب الخير الذي كان مختلفا تماما من الناحية الهندسية مع الأقسام الخمسة. وفي هذا الجزء الخامس بالذات من حي “عين الشق” يوجد البيت الذي ولدت ونشأت فيه.

وسط الجزء الخامس (السينكيام) كانت توجد بناية كبيرة: دار المحاربين (Maison des combattants) ويطلق عليها أهل الحي “دار العسكري” لأنها كانت تشكل إقامة سكنية لأحد كبار الضباط في الطابق العلوي، بينما الطابق السفلي كان مقسما بين الفرع المحلي للإدارة العسكرية، ومقر للمساعدة الاجتماعية مدام فاندال (Mme Vandal) قبل أن تنتقل هذه الأخيرة بعد ذلك إلى مكتبها الجديد بالدرب القديم قرب محلات العطارة. وكان بنفس البناية مكتب لأداء كراء البيوت تابع للشركة الشريفة العقارية المغربية الفرنسية قبل أن يتم نقله أيضا إلى الأقواس مقابل مكاتب العدول.
وكانت كراء بيوت عين الشق يعتبر أٍخص كراء في الدارالبيضاء بالنسبة لبيت من غرفتين وبهو ومطبخ ومرحاض بسومة كراء في حدود 30 درهم تقريبا.

وقد بدأ مشروع بناء حي “عين الشق” سنة 1936، ورغم الحرب العالمية الثانية التي تلت ذلك بعد ىسنوات قليلة، فإن الإدارة المحلية لم توقف الأشغال وخرج المشروع إلى الوجود مع انتهاء المعارك بأوروبا أي في سنة 1945. وتوافد أول السكان من جنسيات مختلفة إلى الحي سنة 1946، وكان أغلبهم موظفون في الإدارة الفرنسية أو من قدماء المحاربين وعائلاتهم. في تلك السنة كانت أغلب الأجزاء السكنية للحي قد تم بناءها، بينما استغرق بناء التجهيزات الأخرى بضع سنوات بعد ذلك.

المهندسون الذين اشتغلوا على مختلف مرافق مشروع حي “عين الشق” هم:
أنطوان مارشيزيو (Antoine Marchisio)
بول بوسولتيل (Paul Busultil)
إدموند بريون (Edmond Brion)
بيار شاسان (Pierre Chassagne)
جان فرانسوا زيفاكو (Jean François Zevaco)

وقد كان المهندس أنطوان مارشيزو (Antoine Marchisio) هو من وضع التصميم الشامل للدرب القديم الذي يشكل النواة الأولى والجزء الأكبر من حي “عين الشق”، بحيث صممه على شكل “عمود فقري سمكي” كما تظهر أغلب الصور المأخودة جوا للحي. وقد انتهى البناء من الأجزاء السكنية الخمسة كلها تقريبا في سنة 1945، وبوشر بعدها ببناء التجهيزات الأخرى تحت إشراف المهندسين الآخرين المشاركين في المشروع.
وهكذا أتم المهندس إدمون بريون (Edmond Brion) تصميم وإنجاز المسجد الكبير سنة 1946 وكان آنذاك يعتبر أكبر مسجد بالمغرب، وهو عبارة عن مجمع ديني وإداري يضم إضافة إلى المسجد، مدرسة قرآنية ومكاتب للعدول ومسكنا للإمام وبعض الحدائق داخل المسجد وخارجه.
وأتم المهندس بيار شاسان (Pierre Chassagne) مبنى الحمام العمومي سنة 1948 وكان في ذلك الوقت الحمام الأكثر عصرية وأهمية في المغرب. وكان يشكل جزءا من البنية التحتية التقليدية والأساسية في المدن المغربية، وقد تم بناءه قرب المسجد كما جرت العادة بذلك.
بجنب الحمام وفي نفس الموقع ونفس السنة أي 1948 أتم المهندس بول بوسولتيل (Paul Busultil) مبنى السوق العام الذي كان يسمى سوق الدرب القديم، وقد تم تشييده بالأسمنت المسلح، ومزج فيه المهندس بين عناصر من الهندسة الحديثة وأخرى مغربية تقليدية.
وفي مكان منزو نسبيا عن المجمعات السكنية وبالقرب من مبنى المقاطعة، صمم وأنجز المهندس جان فرانسوا زيفاكو (Jean François Zevaco) مبنى البريد سنة 1955 واختار فيه تصاميم مكعبة مع استعمال ألواح رخامية في أجزاء من واجهته الخارجية.
وعلى صعيد تنفيذ أعمال البناء فقد شاركت عدة مقاولات في إنجاز مختلف مكونات المشروع. إلا أن أهم جزء فيه وهو المناطق السكنية فقد تكلفت ببنائها مقاولة فرنسية عبر فرعها بالمغرب وتحمل اسم GAGNERAUD. ومازالت هذه الشركة موجودة بفرنسا وتحمل نفس الإسم ويذكر موقعها الإلكتروني على أنها قامت بإنجاز مشاريع بناء في المغرب.
وهكذا فإن النواة الأولى لحي “عين الشق” تشكلت من هذه الأجزاء السكنية الخمسة إضافة إلى بنايات المصالح الخذماتية، من مسجد وحمام وسوق وبريد ومركز صحي وغير ذلك. وكما تظهر الصور الجوية الأولى للحي بعد بنائه، لم يكن هناك وجود لأي تجمع سكني آخر في المنطقة والتي ستعرف بعد توافد السكان الأوائل للحي الجديد توسعا عمرانيا متسارعا وخصوصا بعد انتهاء إدارة الحماية الفرنسية وحلول الإدارة المغربية محلها. وهكذا سيظهر حي درب الخير، افريقيا، جوادي، بين المدن، الكريمات، الإنارة…. وغيرها.
وخلافا للتجمعات السكانية التي تنشأ تدريجيا وعلى امتداد وقت طويل بحيث يتكون مع الزمن نوع من التجانس بين المكونات المختلفة لهذه التجمعات، فإن حالة المدن أو الأحياء التي تبنى دفعة واحدة ويؤتى إليها بساكنيها في نفس الوقت، فإن هؤلاء السكان يشكلون تجمعا متعدد الأعراق والثقافات والأعراف والعادات. وهذا ما حدث لعين الشق مباشرة بعد الانتهاء من البناء، حيث توافدت منذ 1946 مجموعات مختلفة للسكن فيها. كان فيها أوروبيون من جنسيات مختلفة (فرنسيون، اسبان، برتغاليون، إيطاليون، …) إضافة إلى المغاربة مسلمون أو يهود. وكانت الغالبية الكبرى من السكان هم من الموظفين والمجندين المغاربة الذين يعملون بإدارة الحماية الفرنسية (جمارك، شرطة، قوات مساعدة، موظفون). وسوف تعرف هذه التركيبة السكانية اختلالا كبيرا بعد انتهاء الحماية ومغادرة الإدارة الفرنسية، حيث تلا ذلك اخلاء العديد من المنازل من طرف سكانها الأوروبيين وبالأخص الفرتسيين، بينما بقي بالحي بعض القاطنين من اسبانيا وايطاليا لم يلبثوا أن غادروا هم كذلك أمام الزحف الديموغرافي للوافدين المغاربة الجدد، كما أن اليهود المعاربة الذين كانوا بالحي انتقلوا إلى أماكن تجمع الجالية اليهودية المغربية بوسط المدينة الحديثة، ومنهم من غادر البلاد مع الإدارة الفرنسية أو إلى وجهات أخرى: فلسطين، انجلترا، كندا، …..
مع بداية الستينات كان الحي في مجمله تقريبا قد غدا مغربيا صرفا إلا من عائلات مختلطة حيث بقي الأزواج المتزوجين من فرنسيات مع ابنائهم في مساكنهم بالحي. ومع توالي السنوات بدأت الحياة الاجتماعية تتأسس بين مختلف مكونات التركيبة السكانية للحي، وبرزت في كل أجزاء الحي أسماء وشخصيات طبعت الذاكرة الجماعية للسكان وأصبحت جزءا من مرويات الحي وحكاياته اليومية. وككل الأحياء الشعبية، كان لعين الشق فتواته الذين يتصارعون لبسط سلطتهم على أجزاء من الحي، كان هناك حكماء ووسطاء الخير يحتكم إليهم أهل الحي لفض بعض النزاعات قبل اللجوء إلى السلطة، كان هناك تجار معروفون بجودة منتجاتهم ويحج إليهم الزبائن حتى من خارج الحي للتزود منهم.
وهكذا، رويدا رويدا بدأ الحي يمتلك تاريخه ببطء، تاريخ يكتبه أشخاص بأفعالهم وأقوالهم وموقعهم داخل الحي، دونما الشعور أو الإحساس بأنهم رواة يصنعون شفهيا سيرة حي، سينبش فيها من يأتي من بعدهم للتنقيب عن آثارهم ومآثرهم لتجميعها ضمن الذاكرة الجماعية لساكنة الحي. تذكرت أسماء كثيرة مرت بخيالي وأنا أخط هذه السطور عن حيي الجميل “عين الشوق” وانتقيت منها على سبيل المثال لا الحصر من كان له تأثير في حياتي أو عاش بالقرب من الجزء الذي كنت أسكنه أي “السنكيام”. تذكرت معلمي الأول في الكتاب القرآني السي أحمد، ومن بعده السي حسن الذي كانت علاقتي به قوية وأثر كثيرا في تكوين شخصيتي وأنا طفل صغير قبل الالتحاق بالتعليم الإبتدائي بمدرسة ابن خلدون حيث تولانا بالرعاية المعلمون: السي الأحمر، السي ميلاد، السي قشاش، السي الرايس. ثم بإعدادية ابن زيدون قرب المصلى: السي خالد عبدالرزاق، السي الجاي صاحب مدرسة أشبال افريقيا، السي القرص، قبل أن ننتقل إلى ثانوية مولاي عبدالله، وتلك حقبة أخرى تستحق حيزا خاصا. تذكرت أسماء الذين كانوا يؤثتون مخيلتنا اليومية بقصصهم البطولية التي كنا نتلذذ ونحن صغار بروايتها، تذكرت بوشعيب “كرمج” فتوة السينكيام وبطل سينما الأهرام الذي أنقذ العديد من الجرحى بعد أن انهارت السينما على رؤوس المتفرجين. كان هناك “ولد حلا” في الدرب القديم، وكنا نسمع قصصا غريبة عن “احمد الغول” رغم أنه لم يكن من أبناء الحي. تذكرت كذلك أفضل صانع للشفنج عرفته “بولحية الشفناج”، وغير بعيد عنه “با بوشعيب السكليس” الذي علم جيلا كاملا كيفية ركوب الدراجات العادية ثم النارية، تذكرت “السي الحسن أبوعلي” مثقف الحي الذي كنا نأوي إلى دكانه بعد وصولنا مرحلة الشباب لنناقش شؤون وشجون البلاد والعباد، وكان شاهدا وفاعلا على بلوغنا مرحلة الوعي السياسي بأوضاع البلد والعالم العربي، وكانت خزانته الثرية بأمهات الكتب الدينية والأدبية تثري فضولنا المتزايد، كان رحمه الله منهلا وفيرا لإشباع فضولنا عن مرحلة نشوء القومية العربية بالمشرق وزمن الحماية بالمغرب وخصوصا الفترة الحرجة التي تلت انتهاء الحماية واستقلال المغرب وموجة التصفيات والنزاعات السياسية التي عرفها الصراع على السلطة بين السياسيين ورجال المقاومة المسلحة، خصوصا وأن السي “لحسن أبوعلي” كان من الأسماء البارزة فيها، لكنه فضل الانزواء إلى كتبه وقراءاته بدل كرسي السلطة الذي عرض عليه بعد الاستقلال.
لن يسعني المجال لذكر كل الأسماء التي في خاطري، ذكرت فقط من كانوا أكبر منا سنا، ولم آت على ذكر أصدقاء الحي وهم كثر ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر مثلي. كان كل جزء من الحي يسمى باسم شخص معروف فيه، إما فتوة أو لاعب كرة ماهر أو شخصية عامة معروفة، وهكذا كان هناك درب “بوملال”، درب “الرواز”، “درب التيكر”، “درب ولد حلا”، “درب كرمج”، ….. وغير ذلك. ما لم يفارق مخيلتي الصغيرة وأنا طفل في الابتدائي هو علاقتي الشديدة بالقراءة والمطالعة. كنت مع بعض الأصدقاء في سني نطالع بنهم كل ما يقع في أيدينا، وأكسبني ذلك حظوة لدى بعض أقراني من نفس الدرب. لم أكن فتوة ولا لاعب كرة موهوب ولا رياضيا متميزا، حظوتي لدى صغار الدرب كانت بسبب إتقاني لسرد الحكايات والروايات كل مساء في حلقات صغيرة نجتمع فيها عند “رأس الدرب”، وكنت أشعر بنخوة لا مثيل لها عندما تتألف الحلقة ويفسح لي مكان في صدرها لأتولى سرد حكايات وروايات استمدها من قراءاتي المتعددة، وأحيانا أتصرف فيها كيفما أشاء أمام دهشة رفاقي وتلهفهم لمعرفة المزيد. وغالبا ما كان سمرنا ينتهي عندما يتم النداء علي أو على بعض رفاقي من أهلنا للدخول للبيت للعشاء.

أغلب الأشخاص الذين ذكرت إن لم يكونوا كلهم والذين بصموا ذاكرة الحي بأسمائهم وسيرهم انتقلوا إلى جوار ربهم، عليهم الرحمة والمغفرة. ولعله من قبيل رد الجميل لهذا الفضاء الذي احتضننا وما زال يحتضن العديد منا أن يعمل قدماء ابنائه على رفع حالة التلف والتلاشي التي شابت العديد من مرافقه وأحالت بعض معالمه إلى خراب وأطلال، وسيكون ذلك فقط قليل مما يستحقه حي “عين الشوق” من أبنائه.

عزيز رزنارة

منقول عن صفحه متحف برشيد
(مشكوره عن المجهود الكبير للبحث عن تاريخ البيضاءالغير مكتوب🙏)

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *