الباحث والكاتب الصحفي : عبد الوافي حراق

بعد انتشار وباء كورونا بشكل مهول في مدينة ووهان الصينية وانتقاله على وجه السرعة إلى دول أوروبا، لم يكن ثمة حديثا عن الحرب البيولوجية، ولا أحد تجرأ على اتهام الصين بالمؤامرة، وما إلى ذلك. وكان التفكير العالمي منصبا على البحث عن مصدر هذا الفيروس وطبيعته البيولوجية، وكيفية الوقاية والحد من سرعة انتشاره وإيجاد لقاح للعلاج. حيث بادرت أغلب الدول إلى إغلاق حدودها سواء الخارجية أو على المستوى الداخلي بين المدن. ولما انتقلت العدوى إلى الولايات المتحدة، تحول النقاش من مستواه العلمي والاجتماعي إلى تداعياته السياسية والاقتصادية.

ففي غضون تفشي فيروس كوفيذ 19 في أمريكا، وحصده للأرواح وارتفاع نسبة الإصابة، عمل الرئيس ترامب على محاولة امتصاص غضب الشعب الأمريكي وتهدئته، والتصدي لاتهامات خصومه الديمقراطيين الذين اتهموه باللامبالاة والتهور، والفشل في تدبير وباء كورونا. لاسيما بعد إصراره على رفض اعتماد الحجر الصحي في عز انتشار الوباء، وعدم اتخاذه للتدابير الاحترازية. الشيء الذي دفع به إلى نهج سياسة الهروب إلى الأمام للتغطية على أخطاءه الفادحة، وإخفاقه الذريع في تدبير حكومته لهذه الجائحة الصحية. وذلك عبر التفافه على الرأي العام الأمريكي والدولي على حد السواء، وافتعال نقاش مثير للجدل، يتهم فيه دولة الصين بما يسمى بالمؤامرة البيولوجية. وهذا الأسلوب في سياسة ترامب نابع من تكوينه الشخصي في مجال المال التجارة والأعمال، والذي يرتكز على فن التفاوض والإثارة والإقناع وكسب الرهان، والسبق في توجيه الضربات لإرباك الخصم، ورفع سقف الخيارات لحصول على أكبر عدد منها. وقد استعمل ترامب هذا الأسلوب في قضايا دولية متعددة، مرتبطة بالسياسات الخارجية للولايات المتحدة. ولكن لا أحد كان يعتقد أن ذات الأسلوب سيستعمله ترامب حتى في مصير حياة شعب بلده الأمريكي.

فإلى غاية كتابة هذه الأسطر، تتصدر أمريكا العالم، وهي القادمة من خلف الصين وإيطاليا وإسبانيا بأسابيع، من حيث عدد المصابين الذي تجاوز المليون و700 ألف إصابة، وارتفاع مطرد في عدد الوفيات تعدى 100 ألف وفاة. وفي الوقت الذي كان على ترامب الاهتمام بتداعيات هذه الأزمة الصحية التي ألمت ببلاده، والالتفات إلى معاناة الشعب الأمريكي مع الوباء، وإلى أنات وصيحات الضحايا وهم يحتضرون بسبب فيروس كورونا المستجد. طفق يبحث عن افتراء اتهامات أخرى لعلها تحيد أنظار الأمريكيين عن إدانته، وتعليق فشله في تدبير أزمة كوفيد 19 على رقاب جهات أخرى.

حيث أخفق دونالد ترامب في اتهام الصين بالمؤامرة البيولوجية، وفشل في إقناع الرأي العام الدولي بذلك، بالرغم من المناوشات التي ترتبت عن تصريحاته المثيرة والمستفزة هنا وهناك، والتي ألفت تجاوبا لدى بعض الآذان السياسية والاقتصادية والعلمية، المحبة للإثارة والتحاليل الافتراضية. إلا أنها لم ترقي إلى التأييد والترويج لقضية المؤامرة بشكل رسمي وصريح، إن على الصعيد الدولي أو حتى من داخل أمريكا. خاصة من طرف الديمقراطيين، الذين يدركون أيما إدراك، ألاعيب وحيل سياسة رئيسهم بلدهم الخارجية والداخلية. مما اضطر معه ترامب هذه المرة إلى تغيير لهجة الاتهام، وتحويلها من المؤامرة البيولوجية إلى تسرب الفيروس من مختبرات ووهان، في محاولة منه لإدانة الصين بالتهاون في تأمين السلامة، وانعدام الأمن البيولوجي لدى مختبراتها. وهو ما استنكرته بيكين بقوة واعتبرته إهانة واتهام خطير قد يجر البلدين إلى ما لا تحمد عقباه.

لكن سياسة ترامب التهورية لا تقيم وزنا لمثل هذه الردود، بل تتغدى عليها وتنتعش، إذ نشطت خلية سياسته الخارجية في الترويج لهذا الادعاء، بغية إزاحة أنظار فئة عريضة من الشعب الأمريكي عن أزمة الوباء سياسيا، بدعم ومساندة من مناصريه السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين. علاوة على حلفاءه من بعض دول العالم، لاسيما المعادية لجمهورية الصين الشعبية. ولتأكيد مزاعمه وخلط أوراق الرأي العام الأمريكي والدولي، عمد ترامب إلى الضغط على منظمة الصحة العالمية، لمسايرة إداناته لمختبرات ووهان. من خلال إقحامها في ما رآه تواطؤا وتهاونا منها في التضييق على الصين، وعدم مراقبة ومحاسبة انشطتها العلمية والمختبرية للفيروسات.

لكن الصينيون اعتمدوا في تعاملهم مع اتهامات ترامب لهم بنوع من الرزانة الديبلوماسية، معتبرين جل تصريحاته عارية من الصحة، ولا تستقيم لأي منطق أو برهان. وأن الهدف من وراء سياسته المعادية لهم، يتمثل من جهة في تسييس فشله الذريع للحد من الانتشار المهول لفيروس كورونا المستجد في أكبر الولايات الأمريكية وعلى رأسها نيويورك. في الوقت الذي تحدت فيه جمهوريتهم الشعبية كل الصعاب، وقضت أمام انبهار العالم على زحف الوباء بمدينة ووهان. ومن جهة أخرى اعتبرت الصين اتهامات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تدخل في سياق الحرب الاقتصادية. وعزت ذلك إلى الارهاصات الأولى للصراع الاقتصادي والتجاري بين بلديهما للاستحواذ على السوق العالمية، التي طفت على السطح قبل ظهور فيروس كورونا المستجد، منذ تولي ترامب رئاسة أمريكا.

فهل هي حرب بيولوجية كما تحاول أمريكا الترويج له، أم هي حرب اقتصادية حسب ما تميل الصين إلى تأكيده؟

منطقيا، من الصعب الجزم على أن جائحة كورونا وليدة الحرب البيولوجية، بالرغم من وجود بعض المؤشرات، تبدو لدى البعض كذلك. لاسيما السياسيون منهم والاقتصاديون، والمثقفون المدمنون على التحليل والانتقاد. وكذا بعض عموم البشرية، الذين تستهويهم التأويلات الجزافية والتحاليل الغوغائية والخلاصات الطوبوية. بينما لسان حال العلماء، المتخصصين في علم البيولوجيا والفيزياء، غالبيتهم ينئون بتفكيرهم عن هذه الاستنتاجات العرضية. وقلة هم من انبروا إلى القول بالحرب البيولوجية. مستندين على معطيات علمية غير دقيقة، إما عن غير قصد، أو بدافع الشهرة والتباهي المعرفي.

فإذا كان المنطق يستبعد فرضية الحرب البيولوجية بين أمريكا والصين، على اعتبار أن البلدين معا كبدهما فيروس كورونا خسائر مادية وبشرية جسيمة بين شعبيهما. إضافة إلى هول الكارثة التي أحدثه الوباء في باقي دول العالم. وهذا المنطق هو الراجح عند أهل الفكر المحايد، والعقل المجرد من أية توجهات سياسية، أو تأثيرات اقتصادية، أو نزعات ثقافية، أو تداعيات اجتماعية. فهل فيروس كورونا بالفعل، هو ناتج عن حرب اقتصادية محضة بين الصين وامريكا؟ وما من الاحتمال أن تتحول هذه الحرب الاقتصادية، إلى اندلاع حرب عسكرية بين البلدين؟

…./…. يتبع

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *