شؤون الاستثمار / أستاذ التعليم العالي ووزير سابق ورئيس مركز ابن بطوطة للدراسات والأبحاث الإستراتجية

بعد أكثر من ثلاثة سنوات، خرج تقرير النموذج التنموي الجديد الذي أمر به جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وقدمه رئيس اللجنة السيد شكيب بنموسى أمام أنظار جلالته يوم الثلاثاء 25 ماي 2021، بالقصر الملكي بفاس، وكانت لطقوس مراسيم تقديم التقرير أكثر من دلالة، حيث حضر هذا التقديم ممثلو المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية ومؤسسات الحكامة، والمؤسسات السياسية، وكلهم شاركوا بتقديم مساهماتهم بخصوص النموذج التنموي الجديد، وبالتالي فهم معنيون بالمحتوى وبالتنفيذ.
وفي هذه القراءة لابد أولا أن نشيد إشادة كبيرة بجلالة الملك على مبادرته باقتراح مشروع النموذج التنموي الجديد، وتعيين لجنة خاصة من خيرة الخبراء من مختلف المشارب والتخصصات للإشراف على صياغته، ليجيب على مطالب المواطنين، ويلبي احتياجاتهم، ويستشرف المستقبل، لأن اختيار التوجهات الإستراتجية الكبرى هو من اختصاص جلالة الملك المنصوص عليها في الفصل 49 من الدستور الخاص بالمجلس الوزاري، كما أن اقتراح جلالته لمشروع النموذج التنموي الجديد، جاء لملأ فراغا وخصاصا في اقتراح الحلول والمبادرات الفعالة والمقبولة من الجميع، لأن برامج الأحزاب التي تقترحها أو تتبناها لا ترقى بأن تكون نماذج للتنمية، وذلك لعدة عوامل سنذكرها في حديث آخر، وهنا تكمن قوة دستورنا الحالي، في أنه يترك المجال والمبادرة، في هذا المجال حصريا لجلالة الملك في اقتراح مشاريع وتوجهات كبرى على المؤسسات، وفي نفس الوقت يساهم فيها الجميع، وهنا نجد أن هناك نسقا دستوريا بين المبادرة والمشاركة، وهذا يعكس تماما الديمقراطية التشاركية بمعايرها الدولية المتعارف عليها، ولا يفوتنا هنا الإشادة باللجنة المكلفة بإعداد مشروع النموذج التنموي الجديد على المجهودات التي قامت بها، لأنها تضم خيرة خبراء المغرب من مختلف التخصصات، وأعرف صعوبة العمل في هذا المجال الفكري والميداني، والتوفيق بين الاقتراحات واقتراح المدخلات وتجويد المخرجات، ولابد كذلك من الإشادة بمحتوى المشروع، لكونه جاء غنيا بالعديد من الأفكار والاقتراحات والحلول، وهذا هو المطلوب من مشروع كهذا، كما أن تقسيم العمل منهجيا إلى ثلاثة أقسام كان مبسطا، لاستيعاب المحتوى، حيث تضمن كل قسم العديد من المواضيع والمحاور الأساسية لكل قسم، بحيث جاء القسم الأول تحت عنوان(مغرب اليوم وعالم الغد)، وشمل هذا القسم عملية التشخيص ومعرفة الواقع واستشراف المستقبل، أما القسم الثاني فجاء تحت عنوان: (النموذج التنموي الجديد، مغرب الغد)،وتضمن أربعة محاور إستراتيجية منها الجانب الاقتصادي، والرأسمال البشري، وخلق فرص لإدماج الجميع، كما شمل هذا القسم الحديث عن مجالات ترابية لجلب التنمية، ويبقى القسم الثالث، جد مهم لأنه تحدث عن رافعات التغير، وتحديد الأوراش الأساسية، وتطوير الرقمنة، وإصلاح الإدارة، واقتراح آليات التمويل عن طريق القطاع الخاص والشركات الدولية، وختم هذا القسم بوضع ميثاق وطني من أجل التنمية، ويعتبر هذا القسم الأخير غاية في الأهمية لأنه مرتبط بالتنفيذ واستشراف المستقبل، ويرصد ملامح النموذج التنموي الجديد في بعده الزمني والمجالي، ويبقى مشروع النموذج التنموي الجديد عبارة عن وثيقة مرجعية للتفكير والبرامج وصياغة مجموعة من الإصلاحات والإجراءات المختلفة لتنفيذ المشروع عبر مراحل زمنية مختلفة، تلتزم بها كل المؤسسات لتحقيق تنمية شاملة توزع على جميع الجهات والجماعات عن طريق برامج محددة في كل جهة حسب احتياجات المواطنين ، ويبقى هذا المشروع كباقي المشاريع، لابد من تسجيل بعض الملاحظات التي لا تقلل من محتواه، بل تغنيه وتضيف إليه، لأنه حتما ستطرأ عليه بعض التغيرات في المستقبل، بحكم التطورات والمتغيرات الإقليمية والدولية التي لا نتحكم فيها، وكذلك بحكم أن قرارات التنمية لم تبقى كلها محلية، لأنه أحيانا بعض القرارات الدولية، أو بعض الأحداث الدولية قد تؤثر بشكل مباشرة على مسار التنمية في بعض الدول، بما فيها الدول المتقدمة في أوروبا أو في بعض الدول الغنية مثل دول الخليج، أو في دول أخرى، ومن هنا لابد من تسجيل الملاحظات التالية:

  1. على مستوى التسمية، قدم المشروع باسم تقرير ولم يقدم باسم مخطط للتنمية لفترة (2035)، ولم يقدم كخطة استراتجية للتنمية في أفق عام 2035، ويبدو أن سبب تسميته بالتقرير راجع إلى كون المحتوى يمثل أكثر من 50%، في التشخيص والاستماع والزيارات الميدانية، وقد يكون سبب التسمية مأخوذا من التقرير الذي أعده البنك الدولي تحت عنوان “المغرب في أفق 2040، مع العلم أن جلالة الملك في خطابه السامي أثناء الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة يوم 12 أكتوبر 2018م، طلب فيه جلالته من اللجنة تقديم “مشروع” النموذج التنموي الجديد، وليس تقرير أو مخطط.
  2. أن تحديد الفترة الزمنية لتنزيل مشروع النموذج التنموي الجديد في أفق (2035)، لم يذكر التقرير أسبابا مقنعة لاختيارها، في حين أن البنك الدولي قد حدد في تقريره عن المغرب المدة في أفق (2040)، لأن هذه التواريخ مبنية على معطيات محلية ودولية مؤثرة في مجال التنمية في المستقبل،
  3. أن عنوان التقرير جاء كما يلي: (تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وثيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع)، وهو عنوان طويل غير محدد لأهداف المرحلة، في حين أن تقرير البنك الدولي اختار عنوانا للتقرير عن المغرب: (الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي)، وهو عنوان أكثر تحديدا وتفهما للوضع الاقتصادي المغربي المؤهل لاقتصاد الخدمات اللوجستية، وتصدير الصناعات التحويلية التي تستوطن بالمغرب بحكم توفير الشروط المناسبة، كصناعة السيارات والطائرات وما يرتبط بها من صناعات مكملة، وهي صناعات كلها تتطلب رأسمالا بشريا مؤهلا، وقد اخترت هذه المقارنة لكون تقارير البنك الدولي معتمدة دوليا وتؤخذ بعين الاعتبار في مجال التعاون الدولي ومع المؤسسات المالية الدولية التي يتعامل معها المغرب، كما أن البنك الدولي يتابع باهتمام مخرجات هذا التقرير، وذلك لكون المغرب يتعامل مع البنك الدولي في مجالات مختلفة،
  4. لم يشر التقرير إلى أن جزءا مهما من محاور مشروع النموذج التنموي الجديد قد سبق تقديمه قبل تقديم المشروع، ولا بد أن هذه المحاور ستكون جزءا أساسيا من محاور النموذج التنموي الجديد، مثل تعميم التغطية الصحية وهو مشروع اجتماعي ضخم، وقانون الإطار للتعليم الذي سيطبق في السنة المقبلة، وهو الركيزة الأساسية للمشروع، وكان لابد من إبداء الرأى في هذه المحاور أو تدعيمها في التقرير، حتى لا يكون هناك تعارض بين هذه الإصلاحات الكبرى، كما أن الجهوية كمصطلح وكمضمون خلت من العناوين الرئيسية ومن المحاور المهمة، رغم بعض الإشارات إليها، لكنها تبقى اختيارا دستوريا ومؤسسة قوية للتنمية المحلية، وخصوصا بعد المصادقة على اللامركزية، في حين أن تقرير البنك الدولي عن المغرب ركز في تحليله لآفاق سنة 2040 على التحولات التي يعرفها المغرب بخصوص التحول الديمغرافي والتنمية الحضرية للمجتمع في إطار الجهوية الموسعة، وارتفاع المستوى التعليمي للسكان في كل الجهات، لأن جلالة الملك طلب مشروعا تنمويا جديدا يحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية.
  5. أن اللجنة لم تستحضر بما يكفي تداعيات وباء كوفيد 19 الاقتصادية الحالية والمستقبلية، حيث حتمت ظروف الحجر الصحي على فئات كبيرة من العاملين في العديد من القطاعات، وخصوصا القطاعات غير المهيكلة التي يعيش فيها المواطنون على مدخولهم اليومي، فقدان نسبة من مداخيلهم. وتعتبر سنة 2020، من أسوء السنوات، للاقتصاد المغربي، حيث لم يتجاوز معدل النمو نسبة 1%، وحسب معطيات هذه السنة 2021، التي مضى نصفها، فإن النمو لن يتجاوز 1,5%، في حدود قصوى، مما يعني أن تنزيل مشروع النموذج التنموي الجديد رهين برفع النمو الاقتصادي السنوي إلى 6% كحد أدني، مما يؤكد أن سنة 2035 لن تكون فترة كافية لتنزيل النموذج التنموي الجديد، كما أن آليات التمويل تبقى غير واضحة وأحيانا غير مضمونة، نظرا لارتفاع تكلفة عملية تنزيل النموذج الجديد، وللإشارة فإن التقارير الدولية والإقليمية بما فيها تقارير منظمة الصحة العالمية لسنة 2021، تؤكد بأن وباء كورونا لازال مستمرا، ولازال العالم يواجه هذا الوباء بإنتاج اللقاحات، وتعتبر السنوات المقبلة فترة تلقيح سكان العالم في حالة توفر اللقاح بشكل كاف وتوزيعها توزيعا عادلا على سكان العالم، من أجل تلقيح 80% منهم حتى تعود الحياة الطبيعية كما كانت على مستوى العالم، أما تداعيات وباء كورونا الاقتصادية فتذكر التقارير بأن فترة (2035) هي الفترة التي تعود فيها الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها عالميا، لكن تقرير النموذج التنموي الجديد لم يتحدث عن كيفية التعامل مع هذه الوضعية الوبائية محليا وإقليميا ودوليا، في المستقبل، مع توقع سيناريوهات مختلفة تحسبا لأي مفاجأة.
  6. أن تقرير مشروع النموذج التنموي كان قاسيا أحيانا في إصدار أحكام فيما تحقق من تنمية، وفي بعض مجلات الحرية، في حين أن البنك الدولي في تقريره اعتراف بأن المغرب (قد حقق خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، تقدما” لا يمكن إنكاره”، سواء على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي أو على مستوى الحريات الفردية والحقوق المدنية والسياسية، مما سمح للمغرب إطلاق مسار اللحاق الاقتصادي ببلدان جنوب أوربا، إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال، ليصبح في أفق الجيل القادم أول بلد غير منتج للنفط في شمال أفريقيا ينضم إلى نادي الدول الوسيطة ذات الدخل المرتفع).
  7. أن صياغة التقرير في كثير من فقراته تحتاج إلى المزيد من الشرح والتوضيح، لأنه يطغى عليها الجانب التقني والتوجه التقنوقراطي، والتقرير فيه تشابه من المخرجات مع تقارير سابقة لمؤسسات عمومية مثل تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتقارير المندوبية السامية للتخطيط، وتقارير بنك المغرب، وأحيانا نجد بعض التناقض، وفي الحقيقة فإن تقرير النموذج التنموي الجديد يحتاج إلى المزيد من الدراسة والنقاش والتوضيح، ليصبح وثيقة يأخذ منها الجميع.
  8. أن الجانب السياسي المؤسساتي أغفله التقرير، وتحدث عن سلبيات المؤسسات السياسية، ولم يتحدث عما يجب أن تقوم به في المستقبل، ومن المؤكد أن الحكومات السياسية، ووفقا للدستور، هي التي ستنزل مضامين هذا التقرير كليا أو جزئيا، في المرحلة المقبلة، وأعتقد أن ضمان حكومات سياسية مرنة وقادرة على ركب تحدي المرحلة بحمولتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية يستدعي اجتهادا دستوريا يمكن الدولة من الحفاظ على المكتسبات ويحقق الطموحات.
  9. أن البنك الدولي اقترح هدفا محددا “واقعيا” يقضي بأن يصل الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد في المغرب إلى حوالي 45 بالمئة من مستوى نظيره في دول جنوب أوروبا بحلول عام 2040 مقابل 22 بالمئة حاليا، في حين يطمح النموذج التنموي الجديد إلى رفع الدخل الفردي المغربي إلى 16 ألف دولار سنويا، أي حوالي 130 ألف درهم سنويا، في أفق 2035، عوض 7800 دولار حاليا.
  10. أن التقرير ذكر بعض التعبيرات التي تمت خلال عملية الاستماع من مختلف الشرائح، مثل (…لاشيء ينتظر من القادة السياسين، المغرب في حالة حرب ضحاياه الشباب….)، هذه الأشياء تكون في النقاش ولا تدون في التقارير، لأنه قد يستعملها خصوم المغرب في الداخل والخارج، ويعتبرونها أحكاما صادرة عن وثيقة رسمية.
  11. أن تقرير مشروع النموذج التنموي الجديد، رغم هذه الملاحظات يبقى مرجعا للعديد من الأفكار والاقتراحات والحلول، التي نتفق عليها جميعا، ونتهيأ للمشاركة في تنفيذها في المستقبل.
  12. رغم هذه الملاحظات التي ذكرت وغيرها، يبقى تقرير النموذج التنموي الجديد، الذي قدم أمام جلالة الملك مرجعية مركزية للعديد من الأفكار والاقتراحات والحلول الممكنة، ويجب العمل على ترجمتها في شكل قوانين جديدة، وبرامج اجتماعية واقتصادية قد تحقق مطالب المواطنين وتحد من الفوارق الاجتماعية والجهوية، وتحقق التنمية المجالية في كافة تراب المغرب.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *