عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


تلقيت ملاحظات من أصدقاء وقراء يلحون علي أن أبدي رأيي في ما تشهده البلاد من تطورات، وتحديدا في الجانب المتعلق بارتفاع الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية للمواطن، وفي ما نحن بصدده من احتحاجات شعبية قد تتطور إلى مستوى ثورة جامحة للجياع والعطشى والعاطلين عن العمل تهز استقرار البلد بكامله.
ولمح بعضهم لي بالدور الذي يجب أن يقوم به الصحافي في مواجهة الأوضاع السيئة في البلاد، وتسليط الضوء عليها أملا في أن ينتبه إليها المسؤولون ويبادرون بإصلاحها.


ويسوق لي البعض نماذج من الوجوه الأكثر حضورا في ساحة النقد الموجه ضد الأحزاب والحكومة والدولة، مثل مايسة سلامة الناجي، وحميد المهداوي، وعبد الإله بن كيران وآخرين.
في الحقيقة هناك الكثير مما يجب أن يقال بشأن الوطن، ولكن نعطف عليه بالقول “السكوت أفضل”، والتزام الصمت ليس خوفا من جهة محددة، فالكل يتكلم، فيما الخوف من الكلام في حد ذاته، فالإنسان مسؤول على ما يقول كما هو مسؤول على ما يفعل.


كل الذين ينتقدون الواقع الذي نعيشه يفعلون ذلك إما بالغيرة الصادقة على الوطن، وهم مشكورون على ذلك. وإما لأن وظيفتهم هي النقد مقابل طموح شخصي، وهم بصدد نيل ما يطمحون إليه. وإما لأنهم مجبرين على انتقاد الواقع لأنهم يركضون فوق حلبة تصفية الحسابات.
إذا اردنا أن نتأكد من هذه الحقيقة، ليس أمامنا سوى أن ننظر في وضعية المنتقدين انفسهم، فهم فصائل شاركت في معارك سياسية طاحنة من أيام الوزير الأول الأسبق عباس الفاسي، ونذكر هنا الفارس رشيد نيني الذي ترجل في أيام رئيس الحكومة الاسبق عبد الاله بنكيران، وأدار مسدسه باتجاه العدالة والتنمية وأفرغ كل ما في جعبته من طلقات واختفى.
كذلك الأمر بالنسبة للسيدة مايسة تقلبت كثيرا بين اليسار واليمين والاسلاميين، وهي تدرك أن بريق عينيها سيلمع كلما كان هناك إطلاق النار في الهواء.


هذه أسماء أشخاص لا أريد التوقف عندها إلا من باب اعتبار أصحابها يمثلون ظواهر إعلامية، لها ما لها وعليها ما عليها، وينشطون في وسط سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي يتسم باختلالات وأعطاب كثيرة.
لكن بغض النظر عن الحسابات التي تحرك هذه الفصائل الإعلامية فدورها مهم من ناحية الضرب على الطبل لإثارة الانتباه على الأقل لانتشار سياسات فاشلة، ووجود مفسدين في المؤسسات والإدارات العمومية.
لكن من ناحية التقييم الموضوعي للأمور المتعلقة بالبلاد وبالسياسات العمومية المتبعة فيها، وبعيدا عن كل المزايدات، هل حققنا شيئنا من المعارضة ضد الفساد والمفسدين؟
هل سنظل لعقود أخرى ننتقد بنكيران والعثماني واخنوش، وكل يطلع علينا من موقعه للرد على الانتقادات الموجهة إليه بلغة وإن اختلفت أساليبها فمضمونها واحد، هو التحجج، والتسويف، وطلب الانتظار؟
سنظل في حلقة مفرغة لسنوات أخرى وربما عقود أخرى على قول الفنان المقتدر محمد الجم “ما هي السياسة؟ السياسة هي أن يعارض الذين خارج الحكومة الذين يوجدون في الحكومة، وعندما يخرج الذين كانوا في الحكومة يعارضون الذين كانوا في المعارضة وأصبحوا في الحكومة”.
إذا ظلت العملية تقتصر على هذه اللعبة، فلن يكون للوطن طريق نحو الحلول التي يفترض الوصول إليها، ستتغير الوجوه بشكل دوري والازمات ستتكر بشكل دائري، وبدل أن يكون لنا ابتكار سياسي سنظل رهائن بيد التكرار السياسي.
عندما كتبت في تدوينة سابقة تعليقا على أحداث النهب والفوضى التي شهدها سوق أسبوعي ضواحي مدينة القنيطرة، “المجتمع الذي تتخلى عنه الدولة يصبح قنبلة موقوتة”، كنت أعني ما أقول، لكن من هي الدولة ومن هو المجتمع؟
يتبادر إلى ذهننا أن الدولة هي السلطة العليا في البلاد، هي الحكومة التي ينتخبها الشعب، هي الأحزاب السياسية التي تخوض الانتخابات، هي المؤسسات الامنية من شرطة ودرك وجيش وقوات مساعدة ورجال المطافئ، هي المؤسسات القضائية.
بينما المجتمع هو عموم الشعب، دون تفصيل جزئي لمكوناته التي أصبحت تتمترس خلف منظمات المجتمع المدني، والنقابات العمالية، والحركات الفكرية والدينية، والتيارات الفنية والثقافية.
لكن السؤال المؤلم، هل هذه المؤسسات اشتغلت بكيفية صحيحة، كل من موقعه سواء كان في ضفة الدولة أو في ضفة المجتمع؟
طبعا لا، لأنه رغم النتائج التي تم تحقيقها، ولا يجب نكرانها أبدا، هناك اختلالات، وهناك سياسات خاطئة، إما بسبب غياب الكفائة، أو بسبب الجشع والاحتكار وحب الفساد.
عندما ننظر إلى شكل القنبلة الموقوتة في البلاد نجد أن أخطر ما يهدد الوطن هو عدم الاستقرار، وطالما اتبعت الدولة الخيار الأمني في الحفاظ على الاستقرار، وتبين لها في وقت ما أن الخيار الأمني سيؤدي إلى الضغط، وكثرة الضغط تؤدي إلى الانفجار.
إلى ذلك اهتدت الدولة في ظل حكم الملك محمد السادس إلى خيار التنمية في الحفاظ على الاستقرار، ويذكر المغاربة جميعا يوم بدأ حكمه بحملة “التضامن ضد الحاجة”، وبقوله “سأكون الحكم الذي يعلو على أي انتماء”.
بشهادة معظم المتتبعين في الداخل والخارج، تمكن الملك محمد السادس من تحقيق طفرة في مجالات كثيرة، ولكن هو نفسه يستغرب كيف كل هذه الجهود لم تؤدي إلى النتائح المرجوة. حتى انه بدا في بعض خطبه أكثر معارضة من المعارضين.
قطع المغرب مسافة لابأس بها على مسار الاختيارات الديموقراطية، وشعار الإصلاح لم يفارق لسان الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش قبل نحو 23 سنة، كما أن محاربة الفساد لزمت ألسنة كافة المتعاقبين على مناصب المسؤولية في البلاد وكان يفترض أن تكون النتيجة أفضل خاصة في الجانب الاجتماعي الآخذ في الاستفحال، وهو ما استدعى العمل بوضع نموذج تنموي جديد للبلاد، عطفا على سلسلة من البرامج والمخططات السابقة، التي رصدت لها مبالغ مالية مهمة.
لكن ما يثير القلق أن مشروع هذا النموذج بدوره يرقص الآن على انغام الاحتجاجات في ظل تعتثر الكثير من القطاعات خاصة ذات الطابع الاجتماعي مثل الصحة والتعليم والتشغيل وهي قطاعات مرتبطة بحاضر البلاد ومستقبلها.
بعيدا عن كيل الاتهامات لأي طرف، أعتقد أن شيئا ما ليس على ما يرام،
من جهة، إذا استحضرنا نية الإصلاح التي لا يمكن نفيها، لا بد أن نعترف بأن ثمة فشل في وضع استراتيجية الاصلاح.
من جهة ثانية، إذا استحضرنا وجود فساد في مؤسسات معينة، وهو ما لا يمكن نفيه، لا بد أن نعترف بأن ثمة فشل في عملية التطهير والتخليق.
من جهة ثالثة، إذا استحضرنا مسؤولية المجتمع، وهو ما لا يمكن نفيه، لا بد أن نعترف بأنه مجتمع أصبح مخيفا على وقع ما يحدث فيه من بيع الأصوات في الانتخابات، إلى سرقة الخرفان في عيد الاضحى، إلى السطو على بضائع التجار في الأسواق.
وأعتقد ختاما أن أي مجتمع لكي ينهض، هو بحاجة إلى قيادات فكرية واخلاقية وأيضا إلى قيادات تنموية وأمنية.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *