عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


منذ ان أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء في 10 دجنبر الماضي، انهالت أسئلة كثيرة على المحللين والخبراء والديبلودماسيين وصناع القرار، وتمحورت جل تلك الأسئلة بين مؤيد ومعارض ومستغرب للقرار الأمريكي، الذي بدا مفاجئا. لكن السؤال الذي نال أهمية أكبر هو “هل القرار الأمريكي هو قرار الرئيس دونالد ترامب ويخصه وحده، أم أنه قرار يتعلق بمصلحة الولايات المتحدة ويدخل في صميم استراتيجيتها البعيدة المدى؟”.
تفاعل كثيرون مع هذا السؤال، ونال حيزا مهما في طاولات النقاش على مختلف المستويات، واعتبر خصوم المغرب والمشككون في قضية وحدته الترابية القرار الأمريكي حالة عابرة مرتبطة بشخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صاحب التغريدات المثيرة للجدل.
استند أصحاب مقولة “الاعتراف الترامبي الافتراضي” على وضعية الرئيس دونالد الترامب بعد خسارته في الانتخابات الرئاسية في مواجهة منافسه الديموقراطي جون بايدن، واعتمدوا على الخلاف الدائر والخطير بين إدارة الرئيس المنتهية ولايته وإدارة الرئيس المنتخب، في تفسير رغبتهم في فسخ الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء وإعادة الأمور إلى مربع الإنطلاق.
تشكل هذا الاتجاه من خصوم المغرب، وفي مقدمتهم النظام الجزائري، وساندهم المشككون في الخيارات الديبلوماسية التي يسلكها المغرب، كما ضم أطرافا أخرى في بعض الدول التي لها مصالح مباشرة أو غير مباشرة تحققها من خلال النزاع حول الصحراء.
مباشرة بعد الاعتراف الأمريكي لفائدة المغرب، ظهرت أصوات في إسبانيا وفرنسا وروسيا تعبر بدرجات مختلفة عن استغرابها للقرار الأمريكي، وتدعو إلى العودة إلى الأمم المتحدة في موضوع حل نزاع الصحراء.
جاء الجواب من واشنطن بسرعة الضوء، وأعلنت الولايات المتحدة عبر مندوبتها في الامم المتحدة كيلي كرافت أن بلادها تعتبر الصحراء جزء من التراب المغربي وتعترف رسميا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
لم تكتف واشنطن بهذه الخطوة، ولكنها رافقتها بقرار التشطيب على الفاصل الحدودي الافتراضي على خارطة المملكة، ونزلت بكل ثقلها داخل منظمة الحلف العسكري شمال الأطلسي الناتو الذي سلك بدوره الطريق نفسه، ونشر خارطة تضم المغرب بكامل أجزائه.

ثمة خطوة أخرى قامت بها واشطن لتعزيز قرارها تجاه تحالفها مع المغرب، وهو الاعلان عن افتتاح قنصلية تمثل مصالحها الاقتصادية ومصالح مواطنيها في مدينة الداخلة.
لكن هذه الخطوات رغم أهميتها لم تثن أنصار مقولة “الاعتراف الترامبي الافتراضي” بمغربية الصحراء، عن الدفاع عن رأيهم، الذي لم يكن في الواقع سوى دفاعا عن مواقفهم ومصالحهم، خاصة في بعض الأوساط السياسية في باريس ومدريد.
من جهتها، قررت هذه الأوساط الاختباء وراء ستار “راقب وانتظر”، وعملت على توجيه وسائل الاعلام التابعة لها للضرب تحت الحزام والنيل من الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء والتقليل من أهميته وتأثيره على مجريات الأمور.
في تلك الأثناء، ربط البعض القرار الأمريكي تجاه المغرب بقرار المغرب تجاه إسرائيل، واعتبره البعض مقايضة سياسية، سيكون لها تاثيرها في حدود معينة على نزاع الصحراء، لكن لن يغير مسار القضية.
جوابا على أصحاب هذا الرأي، لم يأت الاعتراف الامريكي بالسيادة المغربية على الصحراء من باب الاعتراف المغربي بإسرائيل، كما يتصور البعض، وإنما جرى الترتيب للأمور على النحو التالي:
يعرف الجميع أن إسرائيل خطا أحمر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، كما بالنسبة لعدد من الدول النافذة في الغرب، وبقطع النظر عن قوة تلك الدول وأهميتها في نظام العلاقات الدولية، ظهرت تحولات استراتيجية كبرى في العالم خلال العقدين الماضيين، انتهت بجعل الصين على راس القوى الاقتصادية في العالم، وعودة روسيا إلى الساحة الدولية وسيطرتها على سوق السلاح في عدد من الدول، وفرض وجودها في مواقع النزاع في كثير من البقاع.
كما أخذت دول أخرى في آسيا تجنح للسيطرة على الأقاليم المحيطة بها وتنامت قوى عسكرية واقتصادية في الهند وباكستان والكوريتين.

مقابل ذلك دخلت الولايات المتحدة في مرحلة سكون، شبيهة بتلك التي كانت عليها واشنطن خلال دخول القوات السوفياتية إلى افغانستان، وسقوط نظام الشاه في إيران في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وكان هنري كسنجر اطلق على هذه المرحلة عبارة “راقب وانتظر”.
في مواجهة تقدم كل من روسيا والصين وتحول الحلفاء في اوروبا واليابان وكوريا الجنوبية إلى منافسين مضرين للولايات المتحدة، لم يعد من صبر في واشنطن إلا بدء الهجوم باتباع “خطة استرجاع الموقع”.
في هذا السياق جاءت الاستراتيجية الأمريكية بفتح مجالات دولية وإقليمية جديدة، وبحكم أن انظار كل القوى الاقتصادية في العالم متجهة إلى القارة الإفريقية باعتبارها سوق مستقبلية لكل المنتجات الصناعية، ومشاريع البنيات التحتية، ومصدرا مهما للمواد الأولية والطاقية، فإن الولايات المتحدة قررت الدخول إلى إفريقيا وباعتماد خطة الحليف الإقليمي القوي.
بالنسبة لهذه الدولة العظمى، يمثل المغرب في حساباتها الاستراتيجية الشريك المؤهل لإحداث التحول المطلوب، وبناء الفرصة الجديدة للتموقع الأمريكي في القارة الإفريقية، خاصة بعدما تراجع دور الحليف الاوروبي في افريقيا لفائدة الخصمين اللذودين الصين وروسيا.
ثمة عوامل يوظفها المخطط الامريكي في بناء مجال قوة اقتصادية جديدة، ضمنها موقع المغرب الاستراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، وتوفره على قاعدة علاقات مهمة في قارته تأسست على منطق “رابح رابح”، الذي يقصي الاستغلال المتحوش الذي مارسته قوى اوروبية لعقود طويلة، وانضمت اليها الصين في العشرين سنة الماضية.
كما يتوفر المغرب على مفتاح الحل بالنسبة لواشنطن من خلال مشكلة الصحراء، فتقوية موقع المغرب هو تقوية للدور الامريكي في قارة الفرص الجديدة، ولو على حساب مصالح ونفوذ الحليف الاوروبي.
من هنا تأسس الاعتراض الصامت لبعض الأطراف الأوربية على قرار واشنطن بالاعتراف بمغربية الصحراء، لأنه في الواقع انتزاع لورقة النفوذ الاوروبية.
قد يتساءل البعض، هل سيتطور الامتعاض الأوروبي من الدور الأمريكي إلى مستوى المعارضة والمواجهة؟
لا تملك الدول الاوروبية خيارات بديلة عن الولايات المتحدة، وبالتالي فهي غير مستعدة للتضحية بتحالفها مع واشنطن لتتحالف مع منافسين وخصوم في الشرق، ولا يجب أن ننسى أن الانسحاب البريطاني من الاتحاد الاوروبي شكل عنصرا مهما لفائدة المشروع الأمريكي.
سينتهي الأمر بالقوى الأوروبية في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا أيضا إلى قبول الدور الريادي الامريكي لسنوات وعقود أخرى.
في ظل ذلك ستشهد بلدان إفريقية تحولات كبيرة وستكون القارة بأسرها امتدادا أطلسيا للولايات المتحدة، التي كما لها كلمة الحسم في مشكل الصحراء المغربية لها ايضا قرارات حاسمة في السودان وإثيوبيا والصومال من غرب القارة إلى شرقها ومن شمالها إلى جنوبها.
بافتتاحها قنصلية في الداخلة تعلن عصرا جديدا في إفريقيا.
طابت اوقاتكم

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *