عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


يتساءل قسم من الرأي العام عن سبب موقف ألمانيا من قضايا مغربية وفي مقدمتها قضية الصحراء، وتطرح أسئلة في الرباط عن خلفيات بعض القرارات التي اتخذتها برلين ضدا على التوجه المغربي وهي قرارات تناسلت على الشكل التالي:
استضافت ألمانيا مؤتمرا حول المصالحة الليبية في يناير 2020، واستدعت لحضوره مجموعة من الدول حتى التي ليس لها أي دور في القضية الليبية، فيما استثنت المغرب الذي بفضل استضافته لعدد من المؤتمرات تحت رعاية الامم المتحدة في الصخيرات وبوزنيقة تمكنت أطراف الصراع الليبي من التقابل والتحاور.
بعد إصدار الولايات المتحدة الأمريكية قراررها التاريخي بالاعتراف بالسيادة المغربية على أقاليمه الصحراوية، في 10 دجنبر 2020، سارعت ألمانيا بالتقدم بطلب إلى مجلس الأمن الدولي ببحث الموقف الأمريكي ونعته بالمخالف لقرارات الأمم المتحدة.
في الوقت الذي أعلنت عواصم دول كثيرة في القارات الخمس تأييدها للمغرب بتحرير معبر الكركارات وتثبيت حالة السلم في المنطقة، التزمت برلين الصمت، وذهبت عكس الاتجاه الدولي في طريق دعم جبهة البوليساريو من خلال بعض النواب الالمانيين في البرلمان الاوروبي، وكذلك من خلال محاولات مؤسسات أمنية وحقوقية ألمانية التجسس على المغرب وتحديدا في مدن الصحراء المغربية.
بناء على هذه المواقف الألمانية لم يكن قرار المغرب مفاجئا، ولكن ما فاجأ الرأي العام هو قدرة الرباط على لجم برلين ووضع تحركاتها في المربع الضيق.
لم تقطع الرباط علاقاتها مع ألمانيا كما يروج في بعض وسائل الإعلام، ولكن الخارجية المغربية لجأت إلى عملية التخذير الموضعي، anesthesie local. وقررت اللعب على خطة تجميد علاقات مع السفارة الألمانية والمنظمات الألمانية العاملة في المغرب، تاركة الباب مفتوحا لتطور خيارات ما قد تصل إلى معاقبة مؤسسات اقتصادية ألمانية في المغرب.
ربما ناذرا إن لم يكن غير مسبوق بتاتا أن نشهد دولة إفريقية تفرض عقوبات اقتصادية على دولة اوروبية، وأي دولة ( ألمانيا)، لكن الألمان لم يكن لييقعوا في هذا الوضع لو لا حسابات سياسية خاطئة تم ارتكابها في برلين بقراءة غير محسوبة العواقب.
تتجه أصابع الاتهام إلى النظام العسكري الجزائري الذي بالمناسبة تسلل إلى الملعب الألماني لاستمالة موقف برلين وتسليحه بورقة دعم جبهة البوليساريو وصلت إلى حد رفع علم الجمهورية المزعومة أمام برلمان مقاطعة بريمن.
السؤال المطروح هو هل دفع النظام العسكري الجزائري رشوة إلى الألمان ليتخذوا مواقف مناوئة للمغرب؟
ليس بالضرورة ان تكون الرشوة نقدا، فألمانيا التي تبحث عن منافذ اوسع في إفريقيا لصناعاتها تلقت وعودا كثيرة من النظام الجزائري الذي سبق ان بشر الجزائريين بتصدير ملايين سيارات فولسفاكن. لكنه وجد نفسه على قول الرئيس تبون نفسه يصدر البرد الذي يضخه في إطارات سيارات الفولسفاكن التي تأتي في صناديق من ألمانيا ويتم تجميعها في مصتع يتيم تم إغلاقه في ما بعد.
لجوء برلين إلى النظام الجزائري لدخول إفريقيا يذكرني بلجوء ادولف هتلر إلى الحرب لتوسيع المجال الحيوي لألمانيا.
من هنا نفهم قصر نظر الألمان في السياسة فهم بارعون فقط في الاقتصاد، لم يكن مؤتمر برلين حول ليبيا والذي استثني منه المغرب سوى محاولة ألمانية بالتنسبق مع تركيا المتحالفة مع حكومة الوفاق من أجل البحث عن موطئ قدم في ليبيا للمشاركة في عملية الإعمار، ضد مساعي كل من فرنسا وروسيا اللتان تدعمان مجموعة حفتر في شرق البلاد.
بالطريقة ذاتها تصرفت برلين ضد قرار واشنطن القاضي بالاعتراف بمغربية الصحراء، فهي لا تهمها جبهة البوليساريو، ولكنها ترى في القرار الأمريكي خطوة جبارة في المغرب تعادل وصول القوات الامريكية إلى ميناء الدارالبيضاء خلال الحرب العالمية الثانية، التي منها انطلقت عمليات تحرير اوروبا والقضاء على النازية.
فتح قنصلية أمريكية في الداخلة، معناه بالنسبة للألمان عودة أمريكية قوية إلى إفريقيا، خاصة بالنظر إلى المكانة التي اصبح المغرب يتمتع بها داخل القارة وبشكل خاص في دول غربها المطلة على الأطلسي.
لم تشعر برلين بالحرج اكثر من اللقطة التي ظهرت فيها المستشارة انجيلا ميركل تمد يدها لتصافح ترامب في البيت الابيض فيما هو رفض مصافحتها، من اللحظة الموجعة التي تلقت فيها نبأ اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء، وهو قرار أحرج فعلا كل الدول المنافقة التي تدعي الحياد في ملف نزاع الصحراء.
بالنسبة للنظام العسكري الجزائري الذي يواجه ثورة شعبية تطالب بإسقاطه، وجد فرصة للتسلل إلى الملعب الألماني لكن الرئيس تبون الذي ذهب للعب في برلين عاد برجل مكسورة.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *