بقلم: عبد الهادي مزراري/ شؤون الاستثمار


تراكمت أحداث ليست بالعادية في نطاق المناورات التي قام بها النظام الجزائري خلال الشهر الذي ودعناه. وإذا رجعنا إلى تسلسل الأحداث نجد مقتل ما يسمى بقائد درك البوليساريو الداه البندير في عملية عسكرية داخل التراب المغربي في 10 أبريل الماضي، تلاه غياب زعيم الجبهة، إبراهيم غالي، الذي ظهر في ما بعد بهوية مزورة تحت اسم محمد بن بطوش في أحد مستشفيات العاصمة الإسبانية.
فضلا عن ذلك، دفع النظام الجزائري الجارة موريتانيا إلى مغادرة منطقة الحياد التي كانت تدعي الوقوف فيها. وخصت قياديين من البوليساريو باستقبال رئاسي رسمي، ووقعت معها الجزائر اتفاقية لتسيير رحلات بحرية تجارية بين البلدين كمكافأة على موقفها.
من جهة أخرى، تلقينا ردود فعل النظام الجزائري ضد قرارات ومواقف إقليمية ودولية لصالح قضية الوحدة الترابية للمغرب، تتصدرها انتقادات حكام الجزائر لاجتماع مجلس الأمن في 21 أبريل الماضي ، الذي كان يأملون في أن يفضي إلى الضغط على الولايات المتحدة للتراجع عن قرار الاعتراف بمغربية الصحراء، وهو الأمر الذي لم يحصل.
عربيا، أعطى النظام الجزائري أمرا للوفد الذي يمثله في اجتماع في الشأن الرياضي في الدوحة للانسحاب، احتجاجا على استعمال خارطة المغرب كاملة وغير منقوصة من الأقاليم الصحراوية.
وفي وقت سابق أيضا من الشهر الماضي، أيضا انسحب الوفد الجزائري من الاجتماع الإقليمي لمدراء عموم الجمارك لشمال إفريقيا والشرق الأدنى والشرق الأوسط، للسبب نفسه.
وتوالت ردود النظام الجزائري ضد كل ما يقود نحو حل لنزاع ملف الصحراء سواء داخل الاتحاد الإفريقي، الذي فتحت عشرات دوله قنصليات في العيون والداخلة، أو مع الاتحاد الاوروبي، الذي يظهر أنه يسير على الطريق الأمريكي للاعتراف بمغرية الصحراء.
حول هذا الموضوع وبالتحديد، لجأ النظام الجزائري إلى لعبة خطيرة على خطين متوازيين، خط داخلي يتعلق بجبهة البوليساريو، وخط خارجي يتعلق بمحاولة دفع الاتحاد الاوروبي للابتعاد عن الخيار الامريكي وربما الوقوف ضده على غرار المحاولات التي قام بها النظام الجزائري تجاه كل من روسيا والصين.
على صعيد جبهة البوليساريو تسربت معلومات من داخل القيادة بوجود عناصر تفكر في اعتناق خيار الحكم الذاتي، خاصة بعد مهزلة الحرب الكرتونية التي اعلنتها الجبهة بإيعاز من النظام الجزائري وعادت بنتيجة عكسية أظهرت أمام العالم أن وهم الدولة الصحراوية من وهمية الحرب التي اعلنتها على المغرب بعد مذلة طرد عناصرها من الكركرات في 13 نونبر الماضي.
اتضح في ما بعد أن قائد درك البوليساريو الداه البندير هو من بين المنتقدين لخيار هذه الحرب الكاذبة، وكان صوته ارتفع لانتقاد القيادة، مما حكم على نفسه بالموت.
تقول انباء من المخيمات في تندوف إن اجتماعا بين قيادة البوليساريو استدعي إليه الداه البندير، وحضره ابراهيم غالي وقياديين آخرين جمعهم بضباط في الاستخبارات العسكرية الجزائرية. وفي ذلك الاجتماع تقرر إرسال قياديين من الجبهة إلى داخل ما يسمى بالمنطقة العازلة من أجل أخذ صور وإعطاء تصريحات يستفاد منها أن البوليساريو موجود بالمنطقة، وهي عملية كان يراد منها تسويق صورة القيادة داخل المخيمات من جهة، واستعمالها من جهة أخرى لإثباث وجود البوليساريو في منطقة تحت إشراف الامم المتحدة.
لكن الهدف المسكوت عنه الذي خطط له النظام الجزائري هو التخلص من قياديين كبار في البوليساريو من حجم البندير وغالي بإرسالهم إلى مربع الموت.
تقول بعض المصادر المحلية “إن إبراهيم غالي كان من المفروض أن يكون مع الداه البدير، لكن شيئا ما حدث وتخلى ابراهيم في آخر لحظة عن الذهاب إلى المنطقة العازلة”.
إن ما يؤكد وجود مخطط النظام الجزائري لتصفية قياديين في البوليساريو وتقديمهم قربانا لاستمرار النزاع وتأجيجه، هو قرار جنرالات الجيش الجزائري إرسال زعيم الجبهة إبراهيم غالي إلى العلاج في إسبانيا، والجميع يعرف بأن هذا الشخص متهم بارتكاب جرائم ومطلوب للعدالة الإسبانية.
في الواقع أراد النظام الجزائري إسقاط هدفين بضربة واحدة، الهدف الأول هو التخلص من إبراهيم غالي الذي لم يقتل إلى جانب الداه البندير ، وتعويضه بشخص آخر اكثر استعداد للمضي في الطريق الجديد الذي يجري رسمه للبوليساريو.
والهدف الثاني هو زعزعة العلاقات الاسبانية المغربية من خلال إلقاء كرة الصحراويين في شباك مدريد وتحميلها مسؤولية الدفاع عن ما يسمى القضية الصحراوية. وبالتالي جر الإسبانين إلى لعب دور المدافع الاوروبي الأول عن الصحراويين. وهذا أمر مفضوح عبر عنه وزير الخارجية الجزائري بوقادوم خلال زيارته إلى مدريد عندما طلب صراحة من نظيرته الإسبانية التكفل بملف الصحراء.
كان من الممكن أن يكون للعب الجزائري آثار على مجريات الأمور في ظروف أخرى، لكن قواعد اللعب تغيرت، وما لم يدخل في حسابات جنرالات الجزائر أن لعبتهم اصطدمت بخطة التصعيد المغربية، ولم يتوقعه النظام الجزائري أن الرباط لن تكون مع مدريد بأقل مستوى من الذكاء والحسم الذي تعاملت به مع برلين.
انقلب السحر على الساحر، وانفجرت قضية تسفير زعيم البوليساريو بهوية مزورة الى إسبانيا، التي أصبحت حكومتها في ورطة أمام القضاء الإسباني من جهة، وأمام المغرب الذي يحتفظ بحق التصرف من ثانية، وأمام المنتظم الدولي من جهة ثالثة.
أصبح العنوان الكبير لقضية البوليساريو، هو “زعيم بهوية مزورة لدولة مزورة”، وهو عنوان يرسم طريق نهاية مأساوية لحركة انفصالية وضعت نفسها في خدمة أجندة دولة تحكمها عصابة من العسكر لديها ولاءات لجهات أجنبية، استولت على كل شيء في البلاد، وهي في هذه الأثناء تواجه انتفاضة شعبية عارمة تطالب بإسقاطها في ظل أزمة سياسية واقتصادية خانقة.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *