عبد الهادي مزراري / شؤون الاستثمار


حرك قطاعاته العسكرية الثقيلة باتجاه الحدود الأوكرانية، فتحرك معه نبض العالم، الذي حبس أنفاسه خوفا من اندلاع حرب شاملة، حتى وصل الأمر بنظيره الأمريكي جو بايدن إلى الإعلان “إذا أطلق الجنود الروس النار على جنودنا ستندلع الحرب العالمية الثالثة”.
كانت هذه العبارة الرمز التي جعلت الرئيس الروسي فلادمير بوتين يضع حدودا لخطته في أوكرانيا، ويمضي قائلا “الغرب في حالة هستيرية، ونحن ليس في نيتنا غزو أوكرانيا”.
ماذا كان يفعل 150 الف جندي على متن آلاف العربات العسكرية من دبات ومصفحات وراجمات الصواريخ، فضلا عن السفن الحربية والطائرات، حاصروا أوكرانيا من الشرق والشمال والجنوب بحرا وبرا وجوا؟
إذا لم يكن في نية بوتين غزو أوكرانيا كما توقع الغرب، فإلى ماذا كان يهدف من وراء الحملة العسكرية الروسية التي اتخذت شكل خنجر مثبت بإحكام حول عنق أوكرانيا؟
عادة ما تتبع القوى الكبرى في استراتيجيتها الحكمة التي تقول”إذا كانت لديك قوة فالأفضل ألا تستعملها يكفي أن تردع بها عدوك”.
قد يكون بوتين ركن إلى هذه الحكمة، قبل أن يصدر أوامره إلى قواته بالعودة إلى مناطق تمركزها التقليدية. لكن سبق أن غزت القوات الروسية أوكرانيا عام 2014، وثبتت نظاما مواليا لها في العاصمة كيبف، وسبق لها أيضا أن أرسلت قواتها إلى شبه جزيرة القرم وضمتها إلى أراضيها بالقوة.
في تقديرات الجميع، كان بوتين يريد غزو أوكرانيا مرة أخرى، لكن ماذا منعه من فعل ذلك؟
قد يكون بوتين عصببا بعض الشيء وغامضا، لكنه ليس متهورا ولا مقامرا، فهو الذي استطاع بعد جهد مرير أن يخرج رأس روسيا من المستنقع، وأعاد بناء قواتها العسكرية، وتمكن من ربط علاقات اقتصادية وتجارية لها مع العديد من الدول لم تحظى بها في تاريخها المعاصر من قبل.


علاقته مع الغرب وتحديدا مع اوروبا يتماهى فيها ما هو أمني وسياسي بما هو اقتصادي وتجاري، وما لا يعرفه قسم كبير من الرأي العام أن بوتين يملك بصفة شخصية من خلال مجموعة من شركاته نسبة كبيرة من الأعمال المرتبطة بالطاقة والغاز في أوروبا التي تتجاوز احتياجاتها من الغاز الروسي 41 في المائة
لدينا مصالح روسيا الاقتصادية ومعها مصالح بوتين الشخصية، وهنا يوجد مربط الفرس في تصريحات الرئيس الأمريكي بايدن عندما قال “إذا اجتاحت روسيا أوكرانيا سنفرض عليها عقوبات قاسية، وسنبدأ ذلك بفرض عقوبات على الرئيس بوتين تحديدا وعلى شخصيات مقربة منه”.
في الواقع لم يكن الحافزين الأمني والسياسي، وحدهما يحركان الرئيس بوتين باتجاه أوكرانيا، ولكن كان هناك حافز أقتصادي يتواري خلف قعقعة السلاح، ومضمونه أن روسيا التي ارتفعت معاملاتها الاقتصادية والتجارية مع أوروبا، تلقت ضربات في الآونة الأخيرة بسبب تدخل الولايات المتحدة للجم أطراف أوروبية قررت الابتعاد عن واشنطن والاكتفاء بتعاملاتها داخل الاتحاد الاوروبي ومع روسيا.
تلقى الاتحاد الاوروبي رسالة تحذير من الولايات المتحدة مفادها الحد من الاعتماد على الغاز الروسي، وتقليص حجم الاستثمارات الاوروبية في روسيا، وتخص هذه الرسالة ألمانيا بشكل خاص ودول الاتحاد بشكل عام، وكانت ألمانيا إلى حدود نهاية ولاية المستشارة السابقة أنجيلا ميركل ترفض الاستجابة للمطالب الأمريكية. لكن بعد قدوم المستشار الحالي أولاف شولتس تغيرت الأمور، وأصبح مشروع نور ستريم 2 الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا معرضا للإغلاق.
من جانبه، قرر الرئيس الروسي بوتين خلط الأوراق بين أوروبا والولايات المتحدة، وقياس نبض التحالف بين دول الناتو، فأرسل طلبه بتعهد الحلف الغربي بعدم ضم أوكرانيا إليه. لكن الرد كان مخيبا للأمال الروسية.
من جهة أولى، تلقت موسكو جوابا حاسما برفض طلبها، وأن عضوية أوكرانيا في الناتو مسألة تقررها أوكرانيا والدول الأعضاء في الحلف.
من جهة ثانية، سجلت موسكو وحدة الموقف الأوروبي الأمريكي، وصلابة التحالف في التصدي لأي خطر قادم من روسيا.
من جهة ثالثة، وهذا هو الأمر المهم، أن موسكو انتبهت إلى أن تهديدها لأوكرانيا، لم يتم التعامل معه من طرف الغرب بطريقة تقليدية، حيث سلم الغرب أوكرانيا لقدرها وقرر نقل المعركة إلى الميدان الاقتصادي ضد روسيا، جاعلا من أوكرانيا فخا كبيرا يسير الروس باقدمهم نحوه وعيونهم مغمضة.
من جهة رابعة، أدركت موسكو أنها بتهديدها أوكرانيا قدمت خدمة كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية التي استثمرت الحدث في إرجاع دول أوروبا إلى بيت الطاعة.
بناء عليه اتضح للرئيس بوتين أنه في حال غزو أوكرانيا كان سيخوض نصف حرب، وليس حربا كاملة، وبالتالي فإنه لن يجلب لروسيا حتى في حال فوزه بأوكرانيا إلا العزلة والحصار، في وقت لا يملك فيه خطوطا واضحة لحلفاء محتملين في الصين وكوريا الشمالية وإيران، فضلا عن كون هذه الدول تخطط لمصالحها بشكل منفصل ولا تفعل شيئا مشتركا لإسقاط الولايات المتحدة من قمة الريادة العالمية، وهي غير مستعدة لحرب عالمية ثالثة.
هذه الأمور وغيرها جعلت بوتين يشغل محركات عرباته العسكرية ويعود إلى مربع الانطلاق، تاركا الباب مفتوحا للتفاوض مع عبارة “أنا هنا”.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *