عين الحقيقة: عبد الوافي الحراق

بقدر اندهاش المنتظم الدولي من الثورات العربية المفاجئة، وضعف أجهزته الاستخباراتية في استقراء التكهنات السياسية والتوقعات الاستباقية للحراك العربي، وإخفاقه في إدراك مآلات التموج الديمقراطي للأوضع السياسية في الوطن العربي، بذات القدر الذي تفاجأت به الشعوب المنتفضة ومعها العالم بالثورات المضادة، والانقلابات على الشرعية والديمقراطية التي أفرزها الربيع العربي. إذ سرعان ما تحول هذا الربيع الديمقراطي إلى فصل استبدادي، حل محله شتاء ممطر بالمدافع والرصاص، وطوفان من نيران القمع والاعتقالات، وعاصفة هوجاء من القتل الإعدامات.

وبينما ساد إيمان هذه الشعوب العربية بكسب معاركها وانتصارها على أنظمتها الحاكمة المستبدة، فوجئت بقوى مستبدة أخرى خارجية، تتحكم في دواليب الركح الديمقراطي داخل بلدانهم، وتتحرك وراء الستار كخيال ظل لمشهدهم السياسي. بمساعي حثيثة لتحطيم آمالهم الديمقراطية، والإحالة دون استكمال مسار انتفاضاتهم الشعبية لتحقيق مطالبهم الشرعية. حيث ارتكزت منهجية هذه الأجندات الأجنبية المضادة لثوراتهم، على تنصيب أنظمتها العميلة ضد إرادة الشعوب، وإقامة حكم العسكر، وزرع مليشيات مرتزقة، وإثارة الانقلابات والفتن والتفرقة، والتحريض على الاقتتال بين الشعب الواحد. مما تسبب في ارتكاب جرائم إنسانية وحروب دموية، ذهب ضحيتها الملايين من البشر الأبرياء. أغلبهم نساء وعجزة وأطفال، دفنوا تحت الأنقاض، وذبحوا من الأوردة والبطون، وتلاشت جثتهم في قيعان البحار. أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم عرب ومسلمون، تطلعوا إلى العيش بكرامة وحرية وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وتتجلى أبشع صور هذه الجرائم الانسانية في التدخل الروسي والإيراني، للإطاحة بالشعب السوري المقهور ونصرة رئيسه المستبد المسعور. حيث اجتمعت الجيوش الروسية والسورية ومليشيات حزب الله وإيران على ارتكاب أفظع مجازر في تاريخ الإجرام البشري، بشتى أنواع أسلحة القتل والدمار. من مذابح جماعية وصواريخ ارتجاجية وعنقودية، إلى قتل الأطفال الأبرياء بالبراميل الكيمياوية والرؤوس النووية. وحظوظ الناجين منهم ابتلعهم البحر، أو قذف بجثتهم على الشواطئ. وتبقى أبشع هذه الصور التي هزت شعور الشعوب العالمية، صورة الطفل السوري “عليان كردي” الذي لفظه البحر ميتا.

وهذه المشاهد المرعبة الرهيبة في سوريا، التي كنا لا نراها ولا نسمع عنها إلا في خيال أفلام الرعب والإجرام، ولا نقرأ عنها إلا في عالم القصص وروايات الإبادة والحروب والإرهاب، والتي أصبحنا نشاهدها اليوم بصور حقيقية وحية ومباشرة على أرضية الواقع. انضافت إليها مشاهد أخرى باليمن وليبيا، تجسد الجرحى والمرضى والجياع وقتلى الإعدامات والمذابح، تعلوها معها صيحات الأطفال وعويل الأمهات ونواح الثكلى. مشاهد جرائم مروعة يتم ارتكابها أمام مرأى ومسامع العالم في حق الشعب اليمني، على يد الحوثيين والتحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات. وفي حق الشعب الليبي بأيادي ممن يتباهون بتاريخ حضارات شعوبهم، ويتشدقون بالعدالة والحرية والديمقراطية في دولهم. وفي مقدمتهم فرنسا وألمانيا وروسيا، ومعهم جيوش مليشيات من أبناء العمومة والدم في العروبة والإسلام، وعلى رأسهم حفتر ومصر وتركيا والإمارات.

هذه الجرائم الإنسانية وغيرها، أصبحت جزءا من مشاهد الحياة اليومية في الوطن العربي، وتعدتها إلى جرائم هوليودية غريبة الأطوار، تتمثل في خطف الرؤساء والحكام العرب، وإرغامهم على تسيير حكوماتهم حسب أهواء ورغبات سياسات الدول الخاطفة. كما حدث ذلك مع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، والرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. بل امتد هذا الإجرام إلى محاصرة دولة بأكملها، حكومة وشعبا، وتطويقها جوا وبحرا وأرضا، بهدف قتلها جوعا وعطشا ومرضا. وهو ما وقع لدولة قطر على يد رباعي الثورات المضادة، الموصوف بمحور الشر لدى الشعوب العربية، والمتكون من الإمارات والسعودية ومصر والبحرين. وذلك من أجل كبح جموحها الإعلامي، وإرغامها على العدول عن سياستها الإعلامية الداعمة لثورات الربيع العربي. بعد اتهامها بتحريض وتأجيج الشعوب العربية ضد حكامها، وبالتواطؤ مع الإرهابيين والثوار والمعارضين.

ففي الوقت الذي اعتقد فيه ثوار هذه الشعوب المنتفضة، المغلوب على أمرها، أن قضيتهم انتهت بمجرد هروب بن علي، أو إزاحة حسني مبارك، أو قتل القذافي، أو باستجابة أنظمتها الحاكمة لتعديل الدستور، أو بإقالة الحكومات والبرلمانات العربية. إلا أنهم اصطدموا بالحقيقة المرة لواقع أنظمتهم الحاكمة الهش، حيث اكتشفوا أن حكامهم الحقيقيين هم القوى الغربية الإمبريالية، والأطماع الاستعمارية الناعمة. وأن حكومات بلدانهم عبارة عن كركوزات، تحرك خيوطها الأجندات الأجنبية والسياسات الخارجية والمصالح الإقليمية والدولية.

والظاهر أن الأسباب الكامنة وراء هذه الثورات العربية المضادة، ليس كما ذهب إليه البعض من أن أمريكا وإسرائيل هما المحرك الأساسي لإفشال المشروع الديمقراطي للربيع العربي. ربما قد نتفق على هذا الطرح في جزء صغير من تأويلاته، وبالتالي لا يخفى على الشعوب العربية العداء المتربص والأطماع الاستعمارية الذي تكنه أغلب الدول العظمى للعالم العربي الإسلامي. لكن الجزء الأكبر من حقيقة هذه التأويلات يكمن في الصراع القائم بين الإسلام السياسي والعسكر السياسي، للهيمنة على أنظمة الحكم في الوطن العربي والإسلامي، بدء من عهد جمال عبد الناصر ومعاصروه إلى عهد السيسي ومناصروه. …/….(يتبع)

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *