في سوق السياسة: هل الناخب ضحية أم شريك في صناعة الفساد الانتخابي؟
أ.م/شؤون الإستثمار
مع كل استحقاق انتخابي، تتزين الشوارع بالمقرات الانتخابية واللافتات الشاهقة، وتمطر منصات التواصل الاجتماعي بالوعود البراقة وشعارات التغيير. غير أن المشهد الذي يعقب إعلان النتائج غالبا ما يعيد الإنتاج لنفس الخيبة: “لقد وصل الفاسدون مجددا”.
وسط هذا العويل المستمر، يبرز سؤال جوهري يحاول الجميع الهروب من إجابته: من الفاسد الحقيقي في هذه المعادلة؟ هل هو المرشح الذي يشتري العقول والذمم؟ أم الناخب الذي يمنح صوته لمن لا يستحق تمثيله؟
لا شك أن قسما غير قليل من المرشحين ينظرون إلى الاستحقاق الانتخابي باعتباره “صفقة تجارية” أو “استثمارا طويل الأجل”. بالنسبة لهؤلاء، لا تمثل العضوية البرلمانية أو البلدية تكليفا أخلاقيا، بل تشكل درعا للحماية، وبوابة لنفوذ أوسع، وفرصة لتنفيذ مآرب شخصية.
يستخدم هذا الفصيل من المرشحين أسلوب “فساد العرض”، حيث يستغلون حالة الفقر والجهل أو ضعف الخدمات العامة، فيتحول المال السياسي (أو ما يعرف بشراء الأصوات) إلى أداة حسم. بدلا من تقديم برنامج اقتصادي أو اجتماعي قابل للتطبيق، يقدم المرشح الفاسد خدمات فردية مؤقتة، أو يلعب على وتر التعصب القبيلي والعائلي، مستفيدا من غياب التوعية وحالة اليأس السائدة.
لكن، هل يمكن للسياسي الفاسد أن ينجح لو وجد سدا منيعا من الوعي الشعبي؟ هنا ينقلب النقاش ليطال الناخب نفسه.
إن السلطة الفعلية في أي نظام ديمقراطي تكمن في تلك اللحظة القصيرة التي يقف فيها المواطن أمام صندوق الاقتراع. تلك اللحظة هي تجسيد للسيادة الشعبية. فعندما يقبل الناخب بيع صوته مقابل مبلغ مالي بخس، أو يعطيه لمرشح يعلم علم اليقين عدم كفاءته لمجرد أنه من “أقربائه” أو “أبناء عمومته”، فإن هذا الناخب يتنازل عن دوره كضحية، ليصبح شريكا أصيلا في صناعة الفساد.
إن القبول بتمثيل سيئ هو بمثابة تفويض رسمي للمرشح لنهب المقدرات وإهمال التنمية. فالمرشح الذي دفع ثمن الصوت إنما يعتبر أنه اشترى بضاعة، ومن ثم لا يشعر بأي التزام أخلاقي أو سياسي تجاه قضايا ناخبيه بعد الفوز.
الفساد الانتخابي يشبه الاقتصاد الخفي؛ فيه “عرض” من مرشح فاسد، و”طلب أو قبول” من ناخب متساهل. ولعلاج هذه الأزمة، لا يكفي وضع القوانين وتشديد العقوبات على شراء الأصوات، بل يجب التركيز على الجانب الآخر من المعادلة: وعي المواطن.
إن إحجام الكفاءات عن الترشح، وتسيد المشهد من قبل أصحاب المصالح، ليس إلا نتيجة طبيعية لبيئة انتخابية تحكمها العلاقات الضيقة والمال السياسي. والحل الوحيد لكسر هذه الحلقة المفرغة يبدأ عندما يدرك الناخب أن صوته ليس مجرد ورقة تلقى في صندوق، بل هو قرار يحدد جودة المدرسة التي يتعلم فيها أبناؤه، والمستشفى الذي يتعالج فيه، والرصيف الذي يمشي عليه.
في النهاية، قد ينجح المرشح الفاسد في خداع البعض لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع التسلل إلى كراسي القرار دون بطاقة التزكية التي يمنحها له الناخب.
إن التذمر من سوء الإدارة والفساد بعد الانتخابات لا قيمة له إذا كان الناخب قد شارك بيديه في زرع هذا الفساد. التغيير يبدأ من الصندوق، وحين يقرر المواطن أن كرامته ومستقبل وطنه أغلى من أي منفعة شخصية عابرة، حينها فقط سيتوارى المرشحون الفاسدون، ولن يتبقى في المشهد إلا من يستحق التمثيل فعلا.